اقتصاد يترنح تحت الجبايات الحوثية.. هروب رؤوس الأموال من صنعاء يتسارع

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

الجبايات والضرائب عادة تدفع رأس المال إلى الهروب، ففي المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي الإرهابية تحولت الضرائب إلى أداة استنزاف، فيما تغيب القواعد التي تحمي الاستثمار، وبالتالي لا يعود رأس المال يبحث عن الربح، بقدر ما يبحث عن النجاة؛ الأمر الذي يفسر هجرة التجار ومغادرة أصحاب المشاريع الكبيرة، ومالكي المصانع صنعاء، تاركين خلفهم اقتصادًا يترنح تحت وطأة الجبايات والفساد.

وخلال السنوات الأخيرة، تشهد العاصمة المختطفة صنعاء، وغيرها من المناطق المحتلة، موجة متصاعدة من نزوح رؤوس الأموال، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم الاستقرار وتعدد مراكز الجباية وغياب الأطر القانونية الناظمة.. هذا النزوح لم يعد يقتصر على الأنشطة التجارية المحدودة، بل امتد ليشمل استثمارات صناعية ورؤوس أموال كبيرة كانت تشكل ركيزة أساسية في السوق المحلية.

ويؤكد اقتصاديون أن استمرار هذه الظاهرة ينذر بتفريغ تلك المناطق من النشاط الإنتاجي، وتحويلها إلى أسواق استهلاكية تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، ما يفاقم الاختلالات الاقتصادية ويضعف فرص التعافي، مشيرين إلى أن دوافع هذا النزوح تتجاوز العامل المالي المباشر، لتشمل غياب الضمانات القانونية، وتزايد التدخلات في النشاط التجاري، وفرض قيود على حركة الأموال والبضائع.

ويوضح مراقبون أن حالة عدم اليقين التي تهيمن على بيئة الأعمال تدفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات أكثر استقرارًا، سواء داخل البلاد في المناطق المحررة، أو خارجها، وفي ظل هذه المعطيات، باتت هجرة رأس المال أحد أبرز ملامح الاقتصاد اليمني في زمن الحرب، بما تحمله من تداعيات على سوق العمل ومستويات الإنتاج والدخل.


انتقال اضطراري 
الهروب من الجبايات

بعد سنوات من العمل في صنعاء، وجد رجل الأعمال محمد سعيد، مالك أحد مصانع الأكياس البلاستيكية، نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار صعب بنقل مصنعه إلى مدينة تعز، ليس بدافع التوسع أو البحث عن فرص جديدة، بل هربًا من بيئة تجارية باتت، بحسب وصفه، "خانقة وغير قابلة للاستمرار"، نتيجة تصاعد الضرائب والجبايات التي تُفرض بصورة متكررة ودون ضوابط واضحة.

هذا الانتقال يعكس نمطًا متزايدًا من نزوح المستثمرين والتجار، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي معقد، تتداخل فيه الأعباء المالية مع غياب الاستقرار التشريعي، وتغيب فيه معايير العدالة الضريبية، ومع تزايد الضغوط، باتت قرارات الإغلاق أو النقل خيارًا شبه حتمي للكثير من أصحاب رؤوس الأموال، في ظل بيئة طاردة للاستثمار، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات التي تضمن استمرارية المشاريع ونموها.

يقول التاجر محمد سعيد لـ "الساحل الغربي"، إن قرار نقل المصنع لم يكن خيارًا استثماريًا مدروسًا بقدر ما كان "قرار نجاة" فرضته الظروف، موضحًا أن التكاليف التشغيلية في صنعاء شهدت تضاعفًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الضرائب غير القانونية والجبايات المتكررة، التي تُفرض من جهات متعددة.

ويضيف: "كنا ندفع ما يقارب 7 ملايين ريال بالعملة القديمة سنويًا كضرائب ورسوم، لكن المشكلة لم تكن فقط في الرقم، بل في تعدد الجهات التي تطالب بالدفع، وعدم وجود إطار قانوني واضح يحدد ما يجب دفعه، أو حتى جهة واحدة يمكن الرجوع إليها".

ويشير إلى أن هذه الجبايات لم تكن تخضع لأي معايير ثابتة، بل كانت تتغير بشكل مستمر، سواء من حيث القيمة أو التوقيت أو المسمى، ما جعل عملية التخطيط المالي شبه مستحيلة، وأفقد المشروع القدرة على الاستقرار أو التوسع، كما أن حالة عدم اليقين دفعت العديد من المستثمرين إلى تقليص أنشطتهم أو البحث عن بيئات بديلة أكثر استقرارًا.

ويؤكد أن استمرار هذه السياسات لا يؤدي فقط إلى إرهاق التاجر، بل ينعكس بشكل مباشر على دورة الإنتاج، ويرفع من كلفة السلع، ويضعف القدرة التنافسية للمصانع المحلية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد اليمني من هشاشة شديدة نتيجة الحرب الحوثية.


صنعاء.. بيئة طاردة للاستثمار

يصف التاجر محمد سعيد، بأن الوضع في صنعاء لم يعد يحتمل بالنسبة لكثير من التجار وأصحاب المشاريع، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم الاستقرار وغياب القواعد المنظمة. ويوضح أن المشاريع التجارية لم تعد تواجه تحديات السوق التقليدية فحسب، بل أصبحت مهددة فعليًا بالإفلاس نتيجة السياسات الاقتصادية التي تنتهجها مليشيا الحوثي، والتي تقوم على فرض أعباء مالية متزايدة دون وجود إطار قانوني واضح أو مرجعية مؤسسية مستقرة.

ويشير إلى أن "المليشيا تفرض الضرائب بشكل عشوائي، وهناك جبايات تحت مسميات مختلفة، مثل دعم المجهود الحربي أو رسوم تحسين أو مساهمات مجتمعية، وكلها تُفرض دون سند قانوني واضح، وغالبًا ما تأتي بشكل مفاجئ، ما يربك حسابات التاجر ويستنزف موارده".

ويضيف الرجل أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع هذه الجبايات، بل في تعدد الجهات التي تفرضها، حيث يجد التاجر نفسه أمام مطالبات متكررة من أكثر من جهة، دون وجود تنسيق أو سقف محدد، الأمر الذي يخلق حالة من الفوضى المالية ويجعل الالتزام بأي خطة تشغيلية أو توسعية أمرًا بالغ الصعوبة.

ويتابع حديثه لـ "الساحل الغربي": "عدد كبير من التجار بدأوا بتقليص أعمالهم أو إغلاقها بشكل كامل، خاصة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك هامشًا ماليًا يمكنها من تحمل هذه الضغوط، وبعضهم نقل نشاطه إلى المناطق المحررة، بينما اضطر آخرون لمغادرة البلاد بالكامل والبحث عن فرص استثمارية في الخارج".

ويؤكد أن سياسات المليشيا لا تؤثر فقط على أصحاب المشاريع، بل تمتد آثارها إلى مجمل الاقتصاد، حيث تؤدي إلى تآكل رأس المال المحلي، وتراجع القدرة الإنتاجية، وانكماش السوق، فضلًا عن ارتفاع معدلات البطالة نتيجة إغلاق المنشآت وتسريح العمال، مشيرًا إلى أن غياب الاستقرار التشريعي والاقتصادي يدفع المستثمرين إلى تجميد خططهم المستقبلية، في ظل بيئة لا يمكن التنبؤ بتكاليفها أو مخاطرها، ما يحول دون أي نمو حقيقي في القطاع الخاص.


تعز.. بيئة أكثر مرونة

بعد انتقاله إلى الجزء المحرر من مدينة تعز، يصف التاجر محمد سعيد الوضع بأنه "أفضل نسبيًا"، مؤكدًا أن الفارق بين البيئتين واضح، رغم التحديات التي لا تزال تواجه المدينة.. ويشير إلى أن "البيئة في تعز أكثر ملاءمة للعمل والاستثمار، ليس لأنها مثالية، بل لأنها توفر الحد الأدنى من الاستقرار والوضوح في الإجراءات، وهو ما يفتقده التاجر في مناطق سيطرة الحوثيين".

ويستطرد بقوله: "في تعز، هناك وضوح أكبر في الإجراءات الإدارية، والرسوم محددة، ولا توجد جبايات عشوائية تُفرض بشكل مفاجئ، وهذا يمنحنا القدرة على التخطيط المالي واتخاذ قرارات تشغيلية أكثر استقرارًا"، موضحًا أن التكاليف التشغيلية في تعز أصبحت أقل مقارنة بما كانت عليه في صنعاء، سواء من حيث الضرائب أو الرسوم أو حتى بعض الخدمات، الأمر الذي ساعد المصنع على استئناف نشاطه بشكل تدريجي، وإعادة بناء شبكة علاقاته مع السوق.

ورغم ذلك، لا ينكر هذا التاجر وجود تحديات حقيقية في تعز، أبرزها ضعف البنية التحتية، والانقطاعات المتكررة للخدمات، إلا أنه يرى أن هذه التحديات "تبقى أقل حدة وتأثيرًا مقارنة بما كان يواجهه في صنعاء"، ويؤكد أن المناطق المحررة، رغم محدودية إمكانياتها، توفر فرصة حقيقية لبقاء المشاريع واستمرارها، وهو ما يجعلها خيارًا مفضلًا لكثير من المستثمرين الذين يبحثون عن بيئة أقل تعقيدًا وأكثر قابلية للعمل.

الحوبان.. جمارك وجبايات

لا تكاد تخلو رحلة مصنع أكياس البلاستيك من التحديات، إذ يواجه واحدة من أعقد الإشكاليات التي تعترض طريق المنتجين داخل المناطق المحررة، والمتمثلة في صعوبة تسويق المنتجات في المناطق المنكوبة بالمليشيا، خاصة عبر منفذ الحوبان شرقي تعز، الذي تحوّل إلى نقطة استنزاف مالي ممنهج للتجار.

ويكشف التاجر لـ "الساحل الغربي"، أن عملية نقل البضائع لا تخضع فقط لإجراءات جمركية تقليدية، بل تمر بسلسلة من الرسوم غير الرسمية التي تُفرض خارج أي إطار قانوني واضح.. ويقول: "المليشيا تفرض مبلغ مليون و200 ألف ريال (بالعملة القديمة) على كل شاحنة (دينة) محملة بالأكياس، تحت مسمى الجمارك والضرائب، وهو مبلغ مرتفع جدًا مقارنة بحجم الشحنة وهوامش الربح".

ويوضح أن جزءًا من هذا المبلغ فقط يتم توثيقه، حيث يتم تسجيل نحو 500 ألف ريال في سند الجمارك، بينما يتم تحصيل بقية المبلغ بطرق غير رسمية، دون أي إيصالات أو مستندات، ما يفتح الباب واسعًا أمام ممارسات الفساد.. ويضيف: "المبلغ غير الموثق يتوزع بين قادة ومشرفي المليشيا العاملين في الجمرك، وهو ما يجعل العملية أقرب إلى ابتزاز منظم".

ويؤكد أن هذه الممارسات لا تؤثر فقط على أرباح المصنع، بل تنعكس بشكل مباشر على تكلفة المنتج النهائي، حيث يضطر التاجر إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر، ما يضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي، ويقلل من فرص انتشاره في الأسواق، مشيرًا إلى أن هذه الرسوم المزدوجة تخلق عبئًا ماليًا مضاعفًا، يحد من قدرة المشاريع على التوسع، ويجعل من الصعب الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري في ظل هذه الظروف.

ويلفت في حديثه: "نحن ندفع ضرائب ورسوم في المناطق المحررة بشكل رسمي، ثم نُجبر على دفع مبالغ إضافية عند إدخال بضائعنا إلى مناطق الحوثيين، وهذا يخلق اختلالًا كبيرًا في بيئة السوق، ويضع التاجر أمام خيارات محدودة".


استنزاف ممنهج

يرى مراقبون أن ما يواجهه التجار يعكس نمطًا أوسع من السياسات التي تنتهجها مليشيا الحوثي الإرهابية تجاه القطاع الخاص، والتي تقوم على استنزاف الموارد المالية للمشاريع التجارية، وفرض أعباء متعددة دون مقابل اقتصادي حقيقي.

ويؤكد مختصون في الشأن الاقتصادي أن هذه السياسات تعتمد على تعدد أدوات الجباية، إضافة إلى التدخلات المباشرة في النشاط التجاري، مثل فرض قيود على حركة البضائع أو التحكم في بعض الأسواق، مشيرين إلى أن القطاع الخاص في مناطق الحوثيين يتعرض لضغوط مستمرة، ليس فقط من خلال الضرائب المرتفعة، بل أيضًا عبر بيئة غير مستقرة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية والحوكمة.

ويعتقد كثيرون أن هذه السياسات لا تؤثر على المستثمرين فحسب، بل تمتد آثارها إلى المستهلكين، حيث تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع نتيجة زيادة التكاليف، فضلًا عن تراجع جودة الخدمات والمنتجات بسبب الضغوط التي تواجهها الشركات، مؤكدين أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الانكماش في القطاع الخاص، الذي يُعد أحد أهم محركات الاقتصاد، ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو وفرص العمل، ويعمّق الأزمة الاقتصادية في البلاد.


استثمار الفرصة

في المقابل، يشدد اقتصاديون على أهمية استثمار الفرصة المتاحة في المناطق المحررة، من خلال العمل على توفير بيئة اقتصادية آمنة ومستقرة، قادرة على استيعاب رؤوس الأموال المحلية التي غادرت المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي، ويؤكدون أن تحسين مناخ الاستثمار يتطلب حزمة من الإجراءات، في مقدمتها تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوحيد الرسوم، وتعزيز الشفافية، إضافة إلى توفير الحماية القانونية للمستثمرين، بما يضمن استقرار أعمالهم ويشجعهم على التوسع.

ويشير خبراء إلى أن استقطاب المزيد من هذه الاستثمارات يتطلب توفير بنية تحتية مناسبة، تشمل الكهرباء، والمياه، والطرق، إلى جانب تعزيز الاستقرار الأمني، ومكافحة الفساد، بما يخلق بيئة تنافسية عادلة، مؤكدين أن "نجاح أي منطقة في جذب الاستثمار لا يعتمد فقط على غياب التحديات، بل على قدرتها في إدارة هذه التحديات بفعالية، وتقديم نموذج مختلف قائم على القانون والاستقرار، وهو ما يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد المحلي".

ذات صلة