تعز بين مطرقة "التجاري" وسندان "الشمسية".. استثمار في الظلام واستغلال بلا رقابة
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ 16 ساعة
من جديد، تعود أزمة الكهرباء في مدينة تعز إلى واجهة المشهد الخدمي والاقتصادي، مع تسجيل ارتفاعات قياسية في تسعيرة الكهرباء التجارية، التي بلغت مؤخرًا نحو 1300 ريال للكيلو وات، في مؤشر جديد على تفاقم واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا واستنزافًا للمواطنين في المدينة المحاصرة.
هذا التطور لا يأتي بمعزل عن سياق ممتد من الانهيار شبه الكامل لمنظومة الكهرباء الحكومية، التي خرجت عن الخدمة منذ سنوات الحرب الأولى، تاركة فراغًا واسعًا سرعان ما ملأته بدائل مكلفة وغير منظمة، تتصدرها شبكات الكهرباء التجارية ومنظومات الطاقة الشمسية.
وفي ظل هذا الواقع، تتجدد موجة السخط الشعبي في تعز، حيث يجد السكان أنفسهم عالقين بين خيارين أحلاهما مرّ، إما الاشتراك في كهرباء تجارية باهظة التكلفة، تتسم بالعشوائية وغياب الرقابة، أو اللجوء إلى حلول الطاقة الشمسية التي، رغم ما توفره من استقلال نسبي، تظل مكلفة في تكاليف التأسيس الأولية، ومحاطة بسوق غير منضبط من حيث الجودة والأسعار.
وتعكس هذه الأزمة بنية مختلة لقطاع الطاقة في المدينة، حيث لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية، بل تحولت إلى عبء اقتصادي ثقيل، يلتهم جزءًا كبيرًا من دخول الأسر، ويؤثر بشكل مباشر على مختلف مناحي الحياة اليومية، من تشغيل الأجهزة المنزلية، إلى استمرارية الأعمال الصغيرة، وصولًا إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
وفي موازاة ذلك، تعود إلى الواجهة مطالبات متكررة بإعادة تشغيل محطة عصيفرة، التي تمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية لقطاع الكهرباء في تعز، ويُنظر إلى هذه المحطة باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لإعادة إحياء التيار الحكومي، وكبح جماح السوق البديلة التي توسعت في ظل غياب الدولة.
غير أن هذه المطالب تصطدم بجملة من التحديات، تتراوح بين نقص التمويل، وتعقيدات الجهات المعنية، وبين واقع منهار، وبدائل مكلفة، وحلول مؤجلة، تبدو تعز اليوم نموذجًا صارخًا لأزمة الطاقة، حيث تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع الإخفاقات المؤسسية، لتنتج وضعًا مركبًا يدفع ثمنه المواطن بشكل يومي، في واحدة من أكثر الخدمات ارتباطًا بالحياة والاستقرار.
الكهرباء التجارية.. استغلال الحاجة
منذ أكثر من عشر سنوات، تعيش تعز في ظلام شبه دائم نتيجة توقف التيار الحكومي، بفعل حرب مليشيا الحوثي الإرهابية.. هذا الفراغ الخدمي فتح الباب أمام نشوء سوق موازية للكهرباء، تعتمد على مولدات خاصة يديرها مستثمرون محليون، تحولت مع الوقت إلى منظومة واسعة لكنها غير خاضعة لأي تنظيم فعلي.
ومع غياب الرقابة، أصبح المواطن في مواجهة مباشرة مع تسعيرات متقلبة ومرتفعة، دون أي ضمانات جودة أو استقرار؛ فالزيادة الأخيرة في سعر الكيلو وات إلى 1300 ريال يمني، أعادت النقاش إلى الواجهة، خاصة في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام.
وتحولت الكهرباء التجارية، التي يُفترض أنها حل مؤقت، إلى واقع دائم في تعز؛ لكنها في المقابل أصبحت عبئًا اقتصاديًا خانقًا، حيث تلتهم نسبة كبيرة من دخل الأسر، خصوصًا مع اعتماد الكثيرين عليها لتشغيل الأجهزة الأساسية.
يصف الصحفي بلال المريري هذا الواقع بقوله، إن الكهرباء التجارية تمثل "واحدة من أبشع تداعيات الحرب والحصار"، مشيرًا إلى أنها قائمة على الجشع والاستغلال والنهب.. هذا التوصيف يعكس حالة الغضب الشعبي المتزايدة تجاه ما يُنظر إليه كسوق احتكارية غير منظمة.
ورغم ذلك، لا تقتصر المشكلة على الأسعار المرتفعة، بل تمتد إلى انقطاعات متكررة، وضعف في الخدمة، وغياب أي معايير للسلامة أو الجودة، كما أن هذه المنظومة تعتمد على الوقود، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار المشتقات النفطية، وهو ما ينعكس مباشرة على تسعيرة الكهرباء.
الطاقة البديلة
في مواجهة هذا الواقع، اتجهت شريحة واسعة من سكان تعز إلى الاستثمار في منظومات الطاقة الشمسية، باعتبارها الحل الأكثر استدامة على المدى الطويل، وقد ساهم في هذا الاتجاه دخول تقنيات حديثة مثل بطاريات الليثيوم، التي توفر كفاءة أعلى وعمرًا أطول مقارنة بالبطاريات التقليدية.
وخلال الأشهر الأخيرة، انتشرت محلات بيع وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية بشكل لافت في المدينة، وأصبحت هذه المنظومات خيارًا شبه أساسي للأسر، خصوصًا الطبقة المتوسطة وما فوق.
غير أن هذا القطاع، رغم أهميته، لم يسلم من الانتقادات، إذ يشير المريري إلى أن بعض التجار يمارسون نفس أساليب الجشع والاستغلال الموجودة في سوق الكهرباء التجارية، من خلال رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وبيع منتجات ذات جودة متدنية، مستفيدين من غياب الرقابة الحكومية.
ويضيف أن أرباح بعض التجار تصل إلى 100%، بحسب معلومات حصل عليها من مصادر تجارية في الصين، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع النهائي للمستهلك.
فوضى السوق غياب التنظيم
الصحفي مرزوق ياسين يذهب أبعد من ذلك في توصيفه للوضع، حيث يعتبر الكهرباء التجارية "سوق سوداء غير قانونية وعشوائية ومنفلتة"، مشبهًا إياها بسلطات الفساد التي تعبث بالمحافظة.. هذا التوصيف يسلط الضوء على جوهر المشكلة، وهو غياب الدولة ومؤسساتها الرقابية، فسواء في قطاع الكهرباء التجارية أو الطاقة الشمسية، لا توجد جهة تنظم الأسعار أو تراقب الجودة أو تحمي المستهلك.
ونتيجة لذلك، أصبح المواطن عرضة للاستغلال من جهات متعددة، في ظل انعدام البدائل، وحتى في قطاع الطاقة الشمسية، الذي يُفترض أنه أكثر استقرارًا، يواجه المستهلك تحديات تتعلق بغياب المعايير الفنية، وصعوبة التمييز بين المنتجات الأصلية والمقلدة.
آثار اقتصادية واجتماعية
لا يمكن النظر إلى أزمة الكهرباء في تعز بوصفها خللاً خدمياً معزولاً، بل باعتبارها عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي وأنماط الحياة اليومية بشكل عميق ومباشر، فارتفاع تكاليف الطاقة، سواء عبر الكهرباء التجارية أو عبر الاعتماد على منظومات الطاقة البديلة، بات يشكل أحد أهم مكونات كلفة الإنتاج والاستهلاك في المدينة، الأمر الذي ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي بصورة تراكمية.
اقتصاديًا، أدى الارتفاع المستمر في أسعار الكهرباء إلى زيادة كبيرة في تكاليف التشغيل للمنشآت، فالمحال التجارية، والمخابز، وورش الحرف، والمطاعم، وحتى الخدمات البسيطة، باتت مضطرة إلى تخصيص جزء كبير من إيراداتها لتغطية فواتير الطاقة أو الوقود اللازم لتشغيل المولدات.. هذا التحول لم يقتصر على تقليص هامش الربح فحسب، بل دفع العديد من الأنشطة الصغيرة إلى تقليص حجم عملها أو التوقف الجزئي أو الكامل عن التشغيل، نتيجة عدم القدرة على مجاراة التكاليف المتصاعدة.
وفي السياق ذاته، ينعكس هذا الوضع بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، حيث يتم تحميل كلفة الطاقة للمستهلك النهائي، ما يساهم في تغذية موجة تضخم مستمرة، تتداخل مع عوامل أخرى مرتبطة بالوضع الاقتصادي العام في البلاد، وبهذا المعنى، تتحول أزمة الكهرباء إلى عامل تضخمي غير مباشر، يعمّق من هشاشة القدرة الشرائية للمواطنين.
كما أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي في تعز، تواجه ضغوطًا متزايدة تهدد استدامتها، فهذه المشاريع غالبًا ما تعمل بهوامش ربح محدودة، ومع ارتفاع تكاليف الطاقة تصبح غير قادرة على الحفاظ على توازنها المالي.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن آثار أزمة الكهرباء تتجاوز البعد الاقتصادي لتطول نمط الحياة اليومية بشكل مباشر، فالأسر في تعز باتت مضطرة لإعادة تنظيم استخداماتها الأساسية للطاقة، من إنارة وتشغيل الأجهزة المنزلية، إلى تقليص الاعتماد على وسائل الراحة والتكنولوجيا، فالواقع هذا يفرض قيودًا واضحة على جودة الحياة، ويخلق حالة من التكيف القسري مع مستويات منخفضة من الخدمات الأساسية.
وتبرز هذه التأثيرات بشكل أوضح في مجالي التعليم والعمل، حيث أصبح توفر الكهرباء شرطًا أساسيًا لاستمرار النشاط اليومي، فالطلاب، على سبيل المثال، يواجهون صعوبات في الدراسة والمراجعة، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على الأجهزة الإلكترونية والإنترنت، في حين يعاني العاملون عن بعد وأصحاب المهن الرقمية من انقطاعات متكررة وتكلفة مرتفعة للطاقة البديلة.
كما أن انعدام الاستقرار في خدمة الكهرباء ينعكس على الصحة النفسية والاجتماعية للسكان، من خلال خلق شعور دائم بالضغط وعدم اليقين، نتيجة الاضطرار للتعامل مع خدمة أساسية باعتبارها رفاهية مكلفة وليست حقًا مضمونًا، ومع مرور الوقت، تتشكل أنماط معيشية قائمة على التكيف مع النقص، بدلًا من التخطيط للاستقرار أو التطور.
مطالب عاجلة
يعكس الوضع الراهن في مدينة تعز مستوى متقدمًا من الاختلال في إدارة أحد أهم القطاعات الخدمية، وهو قطاع الكهرباء، الذي تحول من خدمة أساسية يفترض أن تكون مستقرة ومنظمة، إلى سوق مفتوحة تتداخل فيها المصالح التجارية مع غياب شبه كامل للرقابة والتنظيم.. هذا الواقع لا يمكن التعامل معه كأزمة ظرفية أو مؤقتة، بل كخلل هيكلي يتطلب تدخلًا حكوميًا عاجلًا وشاملًا يعيد ضبط القطاع على أسس مؤسسية وقانونية واضحة.
ويبرز في هذا السياق أن استمرار ترك قطاع الكهرباء يعمل وفق منطق السوق غير المنظم عبر الكهرباء التجارية، أدى إلى ترسيخ أنماط احتكارية ورفع غير مبرر للأسعار، إلى جانب تدهور في جودة الخدمات المقدمة للمستهلكين، الأمر الذي جعل المواطن في موقع ضعيف، يفتقر إلى أي أدوات حماية أو بدائل حقيقية تضمن له خدمة مستقرة وبكلفة معقولة.
وانطلاقًا من ذلك، يؤكد كثيرون أن أي معالجة جادة للأزمة يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء الحكومية، وعلى رأسها محطة عصيفرة، باعتبارها أحد الأصول الاستراتيجية القادرة على إحداث تحول نوعي في منظومة الطاقة داخل المدينة، فإعادة تشغيل هذه المحطة لا تمثل مجرد حل تقني، بل خطوة سياسية واقتصادية ذات أثر مباشر في تقليص الاعتماد على السوق التجارية، وتوفير بديل حكومي قادر على ضبط الأسعار وإعادة التوازن إلى القطاع.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى وضع إطار قانوني وتنظيمي واضح ينظم عمل شركات ومزودي الكهرباء التجارية، بما يحدد آليات التسعير، ومعايير الخدمة، وحدود الربح، ويمنع الاحتكار أو الاستغلال، فغياب هذا الإطار ساهم في تحول الكهرباء التجارية إلى سوق مغلقة تتحكم فيها قلة من الفاعلين دون أي رقابة فعلية، وهو ما انعكس سلبًا على المستهلك النهائي.
وفي السياق نفسه، لا يقل تنظيم سوق الطاقة الشمسية أهمية، رغم كونها تمثل أحد الحلول البديلة الأكثر انتشارًا. فهذه السوق، التي توسعت بشكل سريع، تعاني بدورها من غياب المعايير الفنية والرقابية، ما أدى إلى تفاوت كبير في جودة المنتجات والخدمات، وظهور ممارسات تجارية تقوم على المبالغة في الأسعار وبيع أنظمة منخفضة الكفاءة دون ضمانات حقيقية، لذلك فإن تفعيل الرقابة على هذا القطاع أصبح ضرورة ملحة لضمان حماية المستهلك وتنظيم السوق بشكل عادل.
كما أن حماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية تمثل محورًا أساسيًا في أي إصلاح محتمل، فالمواطن اليوم يجد نفسه أمام خيارات محدودة، سواء في الكهرباء التجارية أو الطاقة الشمسية، في ظل غياب جهة فاعلة تضمن العدالة في التسعير أو تحاسب على التجاوزات، وهذا الوضع يفرض الحاجة إلى إنشاء أو تفعيل آليات رقابية مستقلة قادرة على ضبط السوق ومنع الاستغلال.
إلى ذلك، يصبح تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة بشكل منظم خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على الشبكات التقليدية، وتوفير بدائل مستدامة أقل كلفة وأكثر استقرارًا؛ لكن هذا الاستثمار لن يحقق أهدافه ما لم يتم ضمن بيئة قانونية واضحة، تضمن المنافسة العادلة، وتحدد معايير الجودة، وتوفر الحوافز المناسبة للمستثمرين.