في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. اغتيال عبدالصمد القاضي جريمة تتجاوز الرصاص إلى حدود الصمت والخذلان

  • عدن، الساحل الغربي:
  • منذ 4 ساعات

يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة بوصفه تذكيرا رمزيا بقيمة الكلمة، وحدود حمايتها، ومعنى أن يكون الصحفي شاهدا على عصره.

لكن في اليمن، لا يأتي هذا اليوم كتقليد احتفالي، بقدر ما هو اختبار أخلاقي مؤلم، يتجدد اليوم مع جريمة اغتيال الزميل عبدالصمد القاضي، التي لم تتحول إلى قضية مغلقة، ولكن إلى جرح مفتوح في ضمير مدينة، وفي فكرة العدالة ذاتها.

الجريمة، بعد ما يقارب الشهرين على وقوعها، لا تزال خارج الحسم الأمني والقضائي، بل أكثر من ذلك، فقد دخلت بالفعل في منطقة أكثر عمقا؛ منطقة الأسئلة الكبرى، حيث لا يعود السؤال عن القاتل وأداة وخلفية وظروف القتل، ولكن عن الشروط التي جعلت القتل ممكنا و"مأمون العواقب".

من سيرة صحفي.. إلى سيرة مدينة

الزميل عبدالصمد لم يكن فقط صحفيا ينقل أخبار المدينة، لكنه كان أقرب إلى «أرشيف حي»، رجل جمع وجع تعز كما تُجمع الشظايا من جسد مفتوح، يوثق ما لا يُكتب عادة؛ ضحايا الحرب والمسجونين والمشردين ومبتوري الأطراف والألغام والأمهات اللواتي ينتظرن عودة الغائبين.

كان يكتب عن الهامش الذي صار هو المتن.. عن الألم الذي صار نظاما يوميا للحياة.

لهذا، حين قيل إن "قلمه هو السبب"، لم تكن العبارة توصيفا عاطفيا، لكنها تشخيص سياسي دقيق؛ في بيئة مختلة، تحولت فيها الحقيقة إلى خطر، وأصبح توثيق الواقع فعلا يهدد توازناته الهشة.

الجريمة بوصفها رسالة

تفاصيل الاغتيال وما تلاه من (استخدام كاتم صوت، والتنفيذ في فضاء مدني، والغياب لأي أدلة ونتائج تحقيق) تشير إلى أن المسألة لا تتعلق بعنف عشوائي، لكنه هنا فعل محسوب يهدف إلى تحقيق أثر يتجاوز الضحية.

هذا الأثر يمكن قراءته في مستويين؛ "مستوى مباشر" عبر إسكات صوت محدد، و"مستوى أعمق" عبر إعادة تعريف حدود المسموح في المجال العام.

بمعنى آخر، الجريمة هنا لا تستهدف صحفيا فقط، لكنها تعيد رسم الخط الفاصل بين ما يمكن قوله وما يجب أن يُسكت عنه.

الصمت.. فاعل في الجريمة

ما يجعل هذه القضية أكثر تعقيدا ليس فقط فعل الاغتيال، بل ما تلاه؛ فالصمت الرسمي والمجتمعي لا يبدو مجرد تقصير عفوي، لكنه تحول هنا إلى عنصر ضمني في بنية الجريمة.

لقد تحول التضامن إلى "مزاج سياسي"، والعدالة إلى "خيار انتقائي"، والدم إلى "قيمة تفاوضية".
حتى الموت لم يعد متساويا...

فحين يتأخر الكشف عن الجناة، لا يُفسر ذلك فقط كضعف مؤسسي، ولكن كإشارة إلى خلل أعمق في فكرة العدالة نفسها، عدالة تتباطأ وتُنتقى وتفقد قدرتها على الإقناع.

ليصبح نداء الطفل "عزت" أكثر من تعبير عن ألم شخصي؛ إنه إعادة طرح للسؤال الذي تحاول المؤسسات تأجيله، هل ما تزال الدولة قادرة على حماية مواطنيها وإنصاف ضحاياها؟. وحماية ما تبقى من مساحة للكلمة الحرة؟.

تعز.. من المدينة الرمزية إلى الأزمة الواقعية

لطالما قُدمت تعز بوصفها مدينة مدنية، حاضنة للثقافة والحرية والسياسة والاحتجاج، لكن هذه الصورة الرمزية تصطدم اليوم بواقع أكثر تعقيدا؛ تفاوت وانتقائية في ردود الفعل، وصمت في لحظات يفترض أن تكون لحظات إجماع.

هنا لا تعود المشكلة في الجريمة وحدها بل في طريقة استقبالها.. فحين تختلف قيمة الضحية باختلاف موقعها، أو انتمائها، أو توقيت موتها، فإن الأزمة تتجاوز الأمن إلى البنية الأخلاقية للمجتمع.

بين الوفاء والخذلان

في المقابل، يبرز تساؤل مؤلم داخل الأوساط الصحفية؛ لماذا لا تحظى بعض القضايا بالاهتمام الكافي؟ ولماذا يُمارس التمييز حتى في التضامن؟

هذا الشعور يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع القيم المهنية والإنسانية، وتحول القضايا العامة إلى رهينة الاصطفافات الضيقة.

ما الذي قتله القاضي.. وما الذي كشفه دمه؟

المفارقة أن القاضي لم يكن يكتب عن الانتهاكات والجريمة والموت كحدث، بقدر ما كتب، عن الحياة التي تُسحق ببطء وعن الحق الذي تحول إلى امتياز وعن مجتمع يعيد إنتاج أزماته يوميا وعن اقتصاد وحرية وكرامة وأمل يسلب حتى الرمق.

وحين قُتل، بدا كأن ما كان يكتبه قد لحق به، كأن النص الأخير لم يُكتب بالحبر، ولكن بالدم؛ كان القاضي يكتب عن الانهيار.. فصار هو ضحيته.

من القاتل؟ سؤال ناقص

السؤال التقليدي؛ من أطلق النار؟
لكن هذا سؤال ناقص.

السؤال الأكثر دقة؛ من أنتج بيئة يصبح فيها قتل صحفي ممكنا؟
من سمح بتراكم الإفلات من العقاب؟

القاتل فرد، نعم.
لكن الجريمة –في معناها الكامل– منظومة.

منظومة تبدأ بسلطة رخوة، تمر بنخب انتقائية، وتنتهي بمجتمع اعتاد المشهد حتى فقد دهشته.

اختبار الدولة.. لا اختبار الأمن فقط

قضية القاضي ليست فقط اختبارا لقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الجريمة، لكنها اختبار لفكرة الدولة نفسها؛ هل القانون فاعل أم مؤجل؟
هل العدالة مبدأ أم إجراء انتقائي؟
هل حماية الكلمة التزام أم شعار؟

ففي مثل هذه القضايا، لا تُقاس الدولة بعدد البيانات والتصريحات، ولكن بقدرتها على تحويل الجريمة إلى لحظة استعادة للثقة، لا لحظة إضافية لفقدانها.

ماذا بعد القاضي

اغتيال الزميل عبدالصمد القاضي لا ينتهي عند حدود شخصه.. إنه يفتح سؤالا أوسع؛ هل ما تزال الكلمة ممكنة في فضاء كهذا؟
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في قتل صحفي واحد بل في ترسيخ معادلة يصبح فيها الصمت هو الخيار الآمن، والحقيقة مخاطرة غير محسوبة.

وهنا، يتحول السؤال من... من قتل القاضي؟ إلى سؤال أكثر إلحاحا؛ من يحمي ما تبقى من المعنى؟. في بلد لم يعد يخاف من الرصاص، بقدر ما اعتاد عليه!.

ذات صلة