بين تراجع المركزية وحذر الحوثيين.. كيف تعيد الحرب رسم مستقبل "محور المقاومة"؟
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
خلص تقرير حديث نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، للكاتب محمد أيوب، إلى أن "محور المقاومة" الذي تقوده إيران يواجه أخطر اختبار في تاريخه الحديث بعد الحرب الأخيرة التي استهدفت طهران وشبكة حلفائها الإقليميين، مرجحاً أن يشهد المحور تحولاً عميقاً في بنيته وآليات عمله، بدلاً من انهياره الكامل أو استعادته السابقة لقوته.
ويرى التقرير أن الضربات التي تعرضت لها إيران، إلى جانب الخسائر التي مُنيت بها قوى رئيسية ضمن المحور مثل حزب الله وحركة حماس، أثارت تساؤلات واسعة بشأن مستقبل الاستراتيجية الإيرانية القائمة على شبكة من الحلفاء والمليشيات المسلحة المنتشرة في عدة دول بالمنطقة.
شبكة مرنة صُممت لتحمل الصدمات
وبحسب التقرير، فإن "محور المقاومة" لم يُبن منذ البداية بوصفه تحالفاً عسكرياً مركزياً، بقدر ما هو شبكة مرنة يقودها الحرس الثوري الإيراني وتضم حزب الله في لبنان، وجماعات مسلحة عراقية، ومليشيا الحوثي في اليمن، وحركة حماس في غزة، ضمن ما تعتبره طهران خط دفاع متقدماً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير الكاتب إلى أن هذه البنية اللامركزية صُممت خصيصاً لتتحمل الضغوط والخسائر، بحيث لا يؤدي تراجع أحد مكونات المحور إلى انهيار بقية أجزائه.. ومع أن الحرب الأخيرة أضعفت الشبكة بشكل ملحوظ، فإنها لم تُفقدها قدرتها على الاستمرار أو التكيف.
حزب الله.. البقاء بدلاً من التوسع
ويخصص التقرير مساحة واسعة لحزب الله اللبناني، الذي يصفه بأنه "جوهرة التاج" في شبكة النفوذ الإيرانية.
فمنذ عام 2023، تعرض الحزب لخسائر كبيرة شملت استهداف قياداته وتراجع نفوذه الميداني، إضافة إلى تنامي الانتقادات الداخلية في لبنان.. إلا أن التطورات الميدانية، خصوصاً في جنوب لبنان، أعادت تعزيز حضوره داخل بيئته الاجتماعية، مع استمرار احتفاظه بقدرات عسكرية وسياسية تضمن بقاءه لاعباً رئيسياً.
ومع ذلك، يتوقع التقرير أن ينحصر تركيز الحزب خلال المرحلة المقبلة في الحفاظ على موقعه داخل لبنان، بدلاً من استعادة أدواره الإقليمية السابقة، ما يعني انتقاله من مرحلة التوسع إلى مرحلة الدفاع عن المكتسبات.
حماس.. شريك براغماتي أكثر من كونه حليفاً عقائدياً
وفي ما يتعلق بحركة حماس، يشير التقرير إلى أن علاقتها بإيران اتسمت تاريخياً بالبراغماتية أكثر من الارتباط العقائدي، نظراً لاختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية بين الطرفين.
ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالحركة نتيجة الحرب في غزة منذ عام 2023، يرى الكاتب أن القضاء الكامل عليها ظل هدفاً بعيد المنال، في ظل قدرتها على إعادة تشكيل هياكلها القيادية وتكييف أساليب عملها.
ويؤكد التقرير أن أهمية حماس بالنسبة للمحور لا تقتصر على البعد العسكري، إذ تمتد إلى بعدها الرمزي، حيث تظل القضية الفلسطينية أحد أهم العناصر الجامعة لخطاب "المقاومة" في المنطقة، بما يمنح المحور زخماً سياسياً وشعبياً يتجاوز الانقسامات الطائفية.
ومع ذلك، يرجح التقرير أن تبقى أولويات الحركة مرتبطة بالوضع الفلسطيني الداخلي وإعادة إعمار غزة وإدارة علاقاتها الإقليمية، أكثر من ارتباطها باستراتيجية إيرانية موحدة.
العراق.. تصاعد الاستقلالية وتراجع التنسيق
أما في العراق، فيرى التقرير أن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ما زالت تحتفظ بقدرات عملياتية تسمح لها بتنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، إلا أن تماسكها الداخلي بدأ يتراجع.
ويشير إلى أن طهران تبدو أكثر ميلاً لمنح قادة الفصائل هامشاً أوسع من الاستقلالية، الأمر الذي يعزز مرونتها العملياتية لكنه يضعف في الوقت نفسه قدرتها على العمل ضمن استراتيجية موحدة، ويرفع احتمالات التنافس والخلافات بين المكونات المختلفة.
كما يلفت التقرير إلى أن الضغوط السياسية الداخلية والانقسامات المجتمعية في العراق تمثل صعوبات إضافية أمام استمرار نفوذ هذه الجماعات بالشكل الذي كان قائماً خلال السنوات الماضية.
الحوثيون.. الحسابات المحلية تتقدم على الارتباط بإيران
وفي تقييمه لوضع مليشيا الحوثي في اليمن، يوضح التقرير أنهم يشغلون موقعاً مختلفاً داخل المحور مقارنة بحزب الله أو حماس، إذ إن علاقتهم بطهران ظلت أقل مؤسسية وأكثر ارتباطاً بالمصالح المشتركة.
ويشير الكاتب إلى أن الحوثيين اتسموا خلال حرب 2026 بدرجة ملحوظة من الحذر، رغم امتلاكهم القدرة على التأثير في حركة الملاحة الإقليمية وتنفيذ هجمات بعيدة المدى.
ويعزو التقرير هذا الموقف إلى اعتبارات داخلية تتعلق بالحكم والسيطرة الإقليمية والاستقرار الاقتصادي والمصالح المحلية، معتبراً أن هذه الحسابات باتت تلعب دوراً أكبر من الاعتبارات الأيديولوجية في توجيه قرارات المليشيا.
مستقبل المحور مرهون بطهران
ويخلص تقرير "ناشيونال إنترست" إلى أن مستقبل "محور المقاومة" سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة إيران على إعادة بناء مؤسساتها القيادية وشبكات الإمداد التي تضررت خلال الحرب.
ويرى أن المحور لن يعود إلى صورته السابقة التي اتسمت بدرجة أعلى من التنسيق، لكنه في المقابل لن يختفي من المشهد الإقليمي.. فالأرجح، بحسب التقرير، أن يتحول إلى شبكة أكثر تشتتاً وأقل مركزية، تجمعها رواية سياسية وأيديولوجية مشتركة، بينما تدفع كل طرف فيها أولوياته المحلية الخاصة.
ويختتم الكاتب بالقول إن تأثير المحور على توازنات الشرق الأوسط قد يتراجع خلال المرحلة المقبلة، لكنه سيظل حاضراً وقادراً على التكيف مع المتغيرات، خلافاً للتوقعات التي راهنت على انهياره الكامل عقب الحرب الأخيرة.