ملامح باهتة وفرح مصلوب.. بشاعة الحوثي تحرم آلاف العائلات اليمنية من بهجة العيد

  • الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

بملامح ناقصة، يحل عيد الأضحى المبارك لهذا العام على آلاف الأسر اليمنية، بعدما غيبت مليشيا الحوثي الإرهابية آلاف المدنيين لسنوات في سجون سرية، تاركين خلفهم عائلات تواجه مناسبات الفرح بمزيج ثقيل من الحزن والقلق والانتظار الطويل؛ ففي الوقت الذي تمتلئ فيه الأسواق بحركة المتسوقين، وتتزين الشوارع بملابس العيد وألعاب الأطفال، تعيش أسر المختطفين واقعًا مختلفًا، يطغى عليه الغياب والفراغ والخوف من المجهول.

وبينما تنشغل معظم العائلات بالتحضير للعيد، من شراء الملابس الجديدة، وتجهيز موائد العيد، وتبادل الزيارات العائلية، تكافح أسر المختطفين لمواجهة أيام تُعيد إليها تفاصيل الفقد عامًا بعد آخر، إذ تتحول الأعياد بالنسبة لهم إلى محطات تستحضر الغائبين بدلًا من الاحتفال، وتفتح جراحًا لم تندمل منذ لحظة الاختطاف.

وفي كثير من المنازل، تبدو فرحة العيد باهتة أو غائبة بالكامل، خصوصًا لدى الأطفال الذين ارتبط العيد في ذاكرتهم بوجود أب يشاركهم لحظات الفرح البسيطة، لكن هؤلاء الأطفال يجدون أنفسهم اليوم أمام غياب قاسٍ لا يفهمون أسبابه، بينما تعجز الأمهات عن سدّ هذا الفراغ النفسي والعاطفي.

ولا تتوقف معاناة أسر المختطفين عند حدود الغياب، بل تمتد إلى أعباء اقتصادية ونفسية واجتماعية متراكمة، فرضتها سنوات الحرب واستمرار إخفاء المختطفين؛ فالكثير من الأسر فقدت معيلها الأساسي، وأصبحت الأمهات يواجهن وحدهن مسؤولية إعالة الأطفال والحفاظ على تماسك الأسرة، وسط ظروف معيشية متدهورة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.


طقوس غائبة

تمثل كسوة العيد واحدة من أكثر التفاصيل ارتباطًا بفرحة الأطفال في اليمن، حيث يحرص الآباء على شراء الملابس والأحذية الجديدة لأطفالهم قبيل العيد، باعتبارها جزءًا أساسيًا من طقوس المناسبة، لكن هذا الجانب تحوّل لدى كثير من أسر المختطفين إلى عبء اقتصادي ونفسي إضافي، بعد فقدان المعيل الأساسي للأسرة، وانقطاع مصادر الدخل أو تراجعها بشكل حاد.

تؤكد فاطمة سعيد زوجة أحد المختطفين أن أطفالها لا يزالون ينتظرون شراء ملابس العيد كما في السنوات الماضية، في وقت تعجز فيه عن توفير أبسط الاحتياجات بسبب الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار.

وتضيف في حديثها لـ"الساحل الغربي"، أن كثيراً من الأمهات تضطر إلى تأجيل شراء ملابس العيد أو الاكتفاء بملابس قديمة، وهو ما يترك أثرًا نفسيًا مؤلمًا لدى الأطفال الذين يقارنون أنفسهم بأقرانهم. وتشير إلى أن أصعب اللحظات تتمثل في أسئلة الأطفال المتكررة حول سبب غياب والدهم، أو طلباتهم المرتبطة بالعيد، والتي تعجز الأمهات عن تلبيتها في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.

ومع اقتراب العيد، تتحول الأسواق بالنسبة لبعض الأمهات إلى أماكن مثقلة بالعجز والحزن، إذ يرافقن أطفالهن وسط ازدحام المتسوقين دون قدرة حقيقية على شراء ما يرغبون به، في ظل ارتفاع أسعار الملابس والاحتياجات الأساسية بصورة تفوق إمكانيات كثير من الأسر.

وتحاول بعض الأمهات التخفيف من وقع الحرمان عبر شراء احتياجات بسيطة أو تأجيل وعود الأطفال إلى أوقات لاحقة، غير أن الأطفال غالبًا ما يدركون حجم الأزمة التي تعيشها أسرهم، خصوصًا مع استمرار غياب الأب وتراجع الوضع المعيشي عامًا بعد آخر.

وتقول أسر مختطفين، إن العيد كان في السابق مناسبة ينتظرها الأطفال بفرح كبير بسبب ارتباطه بوجود الأب واهتمامه بتفاصيل العيد، بينما أصبح اليوم موسمًا تتزايد فيه الضغوط النفسية والمادية على الأسرة، وفي ظل هذه الظروف، تعتمد بعض العائلات على مساعدات الأقارب أو المبادرات الخيرية لتوفير الحد الأدنى من احتياجات الأطفال، إلا أن تلك المساعدات تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة للأسر المتضررة.

ويرى اجتماعيون أن حرمان الأطفال من أبسط طقوس العيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج برفقة آبائهم، لا يمثل أزمة مادية فقط، بل يترك آثارًا نفسية عميقة مرتبطة بالشعور بالنقص والحرمان، ومع استمرار سنوات الاختطاف والحرب، تتحول كسوة العيد لدى كثير من الأطفال من رمز للفرح إلى تذكير سنوي بغياب الآباء وثقل الظروف التي تعيشها أسرهم.


تداعيات وآثار

لا تتوقف تداعيات الاختطاف عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الأسرة بأكملها، خصوصًا الأطفال، فغياب الأب القسري يؤثر بصورة مباشرة على شعور الأطفال بالأمان والاستقرار النفسي، وقد يترك آثارًا طويلة الأمد على تكوينهم النفسي والاجتماعي.

وبحسب أطباء فإن هذه الآثار تشمل القلق واضطرابات النوم، والخوف الدائم من فقدان بقية أفراد الأسرة، إلى جانب الشعور بالنقص مقارنة بالأطفال الذين يعيشون مع أسر مستقرة، ناهيك أن غياب الأب قد يدفع بعض الأطفال إلى تحمّل مسؤوليات أكبر من أعمارهم، سواء من خلال العمل المبكر أو محاولة دعم الأسرة، وهو ما يزيد من الضغوط الواقعة عليهم.

ويرى مختصون أن استمرار هذه الظروف لفترات طويلة دون وجود دعم نفسي واجتماعي حقيقي قد يفاقم من التأثيرات السلبية على الأطفال، ويؤثر على تحصيلهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية وتوازنهم النفسي مستقبلاً.

وتظهر هذه التأثيرات بصورة أوضح في الأعياد والمناسبات التي يُفترض أن تشكل مساحة للفرح والطمأنينة، إذ تتحول بالنسبة لأطفال المختطفين إلى لحظات تستحضر الغياب والخوف والقلق، فالأطفال الذين يعيشون تجربة الفقد القسري يكونون أكثر حساسية تجاه التغيرات النفسية داخل الأسرة، خصوصًا عندما يلاحظون حالة الحزن المستمرة لدى الأمهات أو التوتر المرتبط بمصير الأب المختطف.

وينعكس غياب الاستقرار النفسي داخل الأسرة على طريقة تفاعل الأطفال مع محيطهم الاجتماعي، حيث يميل بعضهم إلى الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية أو تجنب الحديث عن أوضاعهم الأسرية، خشية الشعور بالشفقة، وفي بعض الحالات، تتحول مشاعر الخوف والقلق إلى سلوك يومي دائم، يدفع الأطفال إلى التعلق المفرط بالأم أو الخوف من فقدانها هي الأخرى، خصوصًا في ظل الأجواء المرتبطة بالحرب والاختطافات المستمرة.

ولا تقتصر هذه التداعيات على الأطفال فقط، بل تمتد إلى الأمهات وبقية أفراد الأسرة الذين يعيشون تحت ضغط نفسي متواصل نتيجة الغموض المحيط بمصير المختطفين، وعدم اليقين بشأن موعد عودتهم أو أوضاعهم داخل السجون.

ويشير مختصون إلى أن استمرار هذه المعاناة لسنوات يخلق بيئة أسرية مثقلة بالتوتر والقلق المزمن، ما قد يؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية أو تراجع قدرة الأسرة على الحفاظ على توازنها النفسي والاجتماعي، مؤكدين أن معالجة هذه الآثار لا تتطلب فقط إنهاء معاناة المختطفين، بل تستوجب أيضًا توفير برامج دعم نفسي واجتماعي للأسر والأطفال المتضررين، لمساعدتهم على تجاوز الصدمات التي خلفتها سنوات الغياب القسري والحرب الممتدة.


أعباء كبيرة

تعيش زوجات المختطفين ضغوطًا مضاعفة، حيث يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات نفسية واجتماعية واقتصادية متراكمة، في ظل غياب الأزواج واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مصيرهم، وتحاول كثير من الأمهات إخفاء الحزن أمام أطفالهن، والسعي للحفاظ على أجواء العيد داخل المنزل رغم الظروف القاسية، لكن الواقع المعيشي والضغوط النفسية يجعل المهمة شديدة الصعوبة.

وتقول زوجات مختطفين إنهن يتحملن اليوم أدوارًا متعددة في الوقت نفسه، بين رعاية الأطفال، وتوفير الاحتياجات الأساسية، ومتابعة أخبار المختطفين، والتعامل مع الضغوط المجتمعية والنفسية المتزايدة.. هكذا تصبح الأمهات المعيل الوحيد للأسرة، رغم محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يضاعف حجم الضغوط الواقعة عليهن.

وتصف زوجات مختطفين الأعياد بأنها من أكثر الفترات قسوة عليهن، بسبب تزايد الشعور بالفراغ داخل المنزل وغياب الشريك الذي كان يتقاسم معهن مسؤوليات الحياة وتفاصيل المناسبات العائلية، فمع كل عيد، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات لمواجهة أعباء متراكمة وسط ظروف نفسية ومعيشية مرهقة.

وبحسب أقارب المختطفين فإن بعض النساء اضطررن إلى البحث عن أعمال بسيطة أو مصادر دخل محدودة لتأمين احتياجات الأسرة، في ظل غياب المعيل الأساسي وتراجع القدرة على توفير المتطلبات اليومية، وفي المقابل تفرض الظروف الاجتماعية والاقتصادية على كثير من النساء تقليص مظاهر العيد إلى الحد الأدنى، حيث يقتصر الاحتفال في بعض المنازل على طقوس بسيطة، بعيدًا عن الأجواء المعتادة التي كانت تعيشها الأسرة قبل الاختطاف.

 

بين الأمل والانتظار

بالنسبة لأسر المختطفين، لا يُنظر إلى هذا العيد باعتباره مناسبة للفرح فقط، بل تحول إلى محطة مشحونة بتجدد الأمل بعودة الغائبين، خصوصًا مع خبر توقيع الحكومة اليمنية أكبر صفقة تبادل للأسرى والمختطفين مع الحوثيين تشمل 1728 شخصًا من الطرفين، ما يبقي هذه الأسر في حالة ترقب دائم تمتزج فيها المشاعر بين الرجاء والقلق.

وتصف عائلات مختطفين العيد لهذا العام بأنه "اختبار صبر ممزوج بالأمل"، حيث تتقاطع مشاعر الانتظار مع التفاؤل بإمكانية حدوث انفراجة في ملف الأسرى، في ظل استمرار الجهود والوساطات الأممية لإنهاء معاناة المختطفين، فالتوقيع الأخير بين الحكومة والحوثيين ساهم في إعادة تنشيط الروابط الاجتماعية بين الأسر المتضررة، حيث باتت الاجتماعات مساحة لتبادل الدعم المعنوي وتقاسم الأمل في انفراج قريب.

ويشير كثيرون إلى أن حالة "الترقب الإيجابي"، التي تعيشها هذه الأسر قد تلعب دورًا مهمًا في دعم التوازن النفسي، إذ تمنح الأفراد قدرة أكبر على التكيف مع الواقع الصعب، خاصة عندما يقترن الألم بالأمل في تغيّر قريب، مؤكدين أن الأطفال، رغم تأثرهم بالغياب، يمكن أن يتأثروا بشكل إيجابي أيضًا بوجود خطاب أمل مستمر داخل الأسرة، ما يساعد على تقليل حدة القلق ويعزز لديهم الإحساس بأن الغياب ليس نهائيًا، بل حالة قابلة للتغيير.

ويتعزز لدى كثير من الأسر اليمنية شعور بأن ملف الأسرى والمختطفين لم يعد جامدًا كما كان، وأن هناك مسارات مفتوحة قد تقود إلى انفراجة حقيقية، وتؤكد منظمات حقوقية وإنسانية أن استمرار الضغط الدولي والمحلي على هذا الملف قد يسهم في تسريع الحلول، بما يخفف من معاناة آلاف الأسر التي تعيش حالة انتظار طويلة، ويعيد إليها حقها الطبيعي في لمّ الشمل.

ذات صلة