اليوسفي يكتب.. هل أصبحت مهنة الصحافة طريقاً إلى الموت؟

منذ ساعتين

‏خرج محمد عيضة من بيته الليلة، لم يكن يحمل مدفعًا ولا قنبلة، كان يحمل فقط عينًا ترى، وميكروفونًا ينقل، وكاميرا تُسجّل. سار بسيارته في شارعٍ عادي من شوارع المكلا، شارعٍ يعود فيه الناس إلى بيوتهم، ويسرع فيه الأطفال إلى مدارسهم، وفي لمحة عين تحولت السيارة إلى فخٍّ مغلق، وأصبحت المركبة قبرًا متحركًا لصحفي شاب، كل “جريمته” أنه أراد أن يحكي للحقيقة ما يراه.
المأساة الكبرى في هذا الوطن أن مهنة البحث عن المتاعب تحولت إلى رحلةٍ للبحث عن الموت؛ صار الميكروفون أخطر من المسدس، وأصبحت الكاميرا جريمة لا تُغتفر. لا يمر عام من هذه الحرب المجنونة إلا ونمشي في جنازة زميل جديد، كأن الكلمة الصادقة أصبحت قذيفة، وكأن الصورة الأمينة صارت سلاحًا في جبهة القتال.
أنا لا تهمّني البيانات التي تخرج بعد كل جريمة، ولا يعنيني من يتّهم مَن أو من يتبنّى الاغتيال؛ القاتل الحقيقي في بلادنا واحد لا يتغيّر: تلك البيئة التي تكره النور، وترى في الصحفي خصمًا لمجرّد أنه شاهد، وتحسبه عدوًّا لأنه يملك ضميرًا يرفض الصمت.
الليلة تبكي حضرموت حزنًا، ويسود الصمت شارع الستين، ويبقى السؤال المرعب الذي يطرق عقولنا جميعًا: من يجرؤ بعد محمد عيضة أن يحمل الكاميرا؟ ومن يتطوع ليقود سيارته في نفس الطريق، لكي لا تموت الحقيقة؟