مطارح الريان.. هل هي فرصة تُرجع القبيلة هيبتها أم آخر صفحة في تاريخها؟
كل المطارح ليست تُنصب من أجل قضية، ولا كل النكفات تُرفع من أجل خصومة. فهناك مطارح تتحول إلى لحظةٍ فاصلة، يقف عندها التاريخ طويلًا، لا ليتأمل من انتصر ومن انهزم، بل ليرى: من بقي وفيًا لمعناه، ومن فقد نفسه وهو يظن أنه ما زال كما كان.
واليوم، يبدو أن مطارح الريان من هذا النوع.فالريان لم يعد مجرد اسم لمكان، بل صار عنوانًا لسؤالٍ أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود أي قبيلة. سؤالٌ يلامس مكانة القبيلة اليمنية نفسها، ودورها، وهيبتها، وما إذا كانت لا تزال قادرة على أن تكون كما عرفها اليمن عبر قرون، أم أن الزمن تجاوزها ولم يبق منها إلا الذكرى.
فالقبيلة في اليمن لم تكن مجرد رابطة دم، ولم يكن حضورها قائمًا على عدد البنادق أو كثرة الرجال. كانت فكرةً قبل أن تكون اسمًا، وكانت منظومةً من القيم قبل أن تكون حدودًا ونفوذًا. كانت تعني النصرة، وإغاثة الملهوف، وحماية الجار، وردع الظالم، والوفاء بالكلمة، حتى قيل قديمًا إن كلمة الشيخ قد تكون أبلغ من حكم السلطان.
ولهذا بقيت القبيلة جزءًا من هوية اليمن، لا لأنها أقوى من الدولة، بل لأنها كانت تسد الفراغ حين تغيب الدولة، وتحفظ شيئًا من توازن المجتمع حين تختل الموازين.
لكن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة على أحد. جاءت الحرب، وتفرقت القبائل بين المشاريع، وتعددت الولاءات، ودخل المال والسياسة والسلاح في تفاصيل كانت يومًا محكومة بالعُرف والكلمة. ومع مرور الوقت، لم تعد القبيلة تخسر الأرض فقط، بل بدأت تخسر الصورة التي رسمها لها التاريخ.
أصبح الناس يسألون: أين القبيلة التي كانت إذا نكفت اجتمع رجالها قبل أن تصل الأخبار؟ أين تلك الهيبة التي كانت تمنع الظلم قبل وقوعه؟ وهل بقي من إرث الآباء شيء، أم أن كل ذلك أصبح حكاية تُروى في المجالس؟ ومن هنا تأتي أهمية مطارح الريان. فالريان ليس اختبارًا لقبيلة بعينها، بل امتحان لاسم القبيلة اليمنية كله. وليس المطلوب أن تُظهر القبائل قوتها، فالقوة وحدها لا تصنع المجد، وليس المطلوب أن يعلو الصوت، فالصوت يهدأ سريعًا. المطلوب أن تثبت أن القيم التي بنت تاريخها ما زالت حية، وأن النخوة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم يُنسى، بل خلقٌ يُترجم إلى موقف.
التاريخ لا يتذكر من امتلك السلاح أكثر، بل يتذكر من امتلك الشجاعة حين تردد الآخرون.
والتاريخ لا يحفظ أسماء القبائل لأنها كانت كثيرة العدد، بل لأنها كانت عظيمة الموقف.
كم من قبائل صغيرة كتبها التاريخ بحروف من نور لأنها وقفت حين خاف الجميع، وكم من قبائل كبيرة طواها النسيان لأنها عجزت عن أن تكون على قدر اسمها.ولهذا فإن مطارح الريان ليس موعدًا مع حدثٍ عابر، بل موعد مع التاريخ نفسه.
فإن نجحت القبائل في أن تقدم موقفًا يليق بإرثها، فإنها لا تنتصر لقضية واحدة فحسب، بل تستعيد شيئًا من هيبتها التي أكلتها سنوات الانقسام والحرب، وتبعث رسالة لليمنيين أن القبيلة ما زالت تحمل في داخلها روح الأجداد، وأنها لم تتحول إلى مجرد اسم يُستدعى في المناسبات.
أما إذا انتهى الأمر إلى خلافات، أو تراجع، أو حسابات ضيقة، فإن الخسارة لن تكون في الريان وحده، بل في الرصيد المعنوي الذي راكمته القبيلة عبر مئات السنين.
فالهيبة لا تموت في يوم، لكنها تذبل كلما تخلى أصحابها عن المواقف.
والتاريخ لا يشطب الأسماء دفعةً واحدة، لكنه يبدأ بمحوها حين تتكرر لحظات الصمت في وقتٍ كان الناس ينتظرون فيه الكلام، وتتكرر لحظات التردد في وقتٍ كان الواجب يفرض الحسم. ولعل أخطر ما يواجه القبيلة اليوم ليس خصومها، بل خوفها من أن تعتاد التراجع، وأن يصبح الاستثناء هو الشجاعة، بدلًا من أن تكون الشجاعة هي الأصل.
لذالك إن القبائل لا يسقطها نقص الرجال، بل سقوط المعنى الذي يجمع الرجال. واليوم يقف الريان شاهدًا على لحظة قد لا تتكرر.
لحظةٌ قد تُعيد للقبيلة اليمنية بعضًا من صورتها التي عرفها التاريخ، وقد تكون بداية صفحة جديدة تسترد فيها هيبتها ودورها، أو تكون الصفحة الأخيرة من كتابٍ ظل مفتوحًا لقرون.فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يسأل كم كان عدد الرجال بل يسأل: ماذا فعل الرجال عندما جاء وقت الموقف؟