17 يوليو.. حين قرر الفجر أن يزور اليمن

منذ ساعة

للفجر عادة لا تتغير؛ فهو لا يعلن موعده، ولا يطلب من الليل أن يرحل، وإنما يأتي بهدوء حتى يكتشف الجميع أن الظلام لم يعد كما كان.
والأوطان تشبه الفجر. لا تبدأ الحكايات الكبرى بضجيج، وإنما بلحظة  يلتفت إليها التاريخ، ثم يكتشف الناس بعد سنوات أنها لم تكن يومًا عاديًا، بل بداية فصل جديد.
وفي ذاكرة اليمن، يقف السابع عشر من يوليو كواحد من تلك الأيام التي ما زالت تثير الحديث كلما عاد التاريخ إلى صفحاته.

كان اليمن يومها يحمل أعباءً ثقيلة، ويبحث عن طريق يقوده إلى الاستقرار وبناء الدولة. لم تكن المهمة سهلة، ولم تكن الظروف مهيأة، لكن عجلة الدولة بدأت تدور بوتيرة مختلفة، وانطلقت مرحلة شهدت توسعًا في الطرق والجسور، وقيام المدارس والجامعات، وتعزيز مؤسسات الدولة، واتساع حضور اليمن في محيطه العربي والإقليمي.

لم يكن البناء مجرد أسمنت وحديد، بل كان محاولة لصناعة وطن يشعر فيه المواطن بأن للدولة حضورًا في حياته اليومية، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
ثم جاءت الوحدة اليمنية، لتصبح واحدة من أبرز المنجزات الوطنية في التاريخ الحديث، ولتمنح اليمنيين حلمًا طال انتظاره؛ وطن واحد، وعلم واحد، ومؤسسات واحدة. كان ذلك الحدث أكبر من كونه إنجازًا سياسيًا، فقد حمل معنى الانتماء لوطن يتجاوز حدود التشطير والانقسام.

ولهذا بقي السابع عشر من يوليو حاضرًا في ذاكرة كثير من اليمنيين، لأنه ارتبط بمرحلة يرى فيها كثيرون بداية مشروع دولة، لا مجرد بداية عهد سياسي.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب، والانقسام، وتراجع مؤسسات الدولة، وانهيار الاقتصاد، يعود هذا التاريخ ليطرح سؤالًا لا يستطيع أحد تجاهله:

ماذا خسر اليمن حين خسر الدولة؟

حين يتذكر الناس تلك المرحلة، فإنهم لا يستحضرون أسماءً فقط، وإنما يستحضرون صورة وطن كانت فيه المشاريع تتحرك، والطرقات تمتد، والجامعات تستقبل طلابها، والمؤسسات تؤدي دورها، وكان الأمل بالمستقبل أكبر من الخوف من الغد.
وليس المقصود أن الماضي كان خاليًا من الأخطاء؛ فكل تجربة بشرية تحمل نجاحاتها وإخفاقاتها. لكن الأمم لا تقارن بين المراحل من خلال الشعارات، وإنما بما تركته على الأرض، وبما بقي في ذاكرة الناس من أثر.
ولهذا، فإن السابع عشر من يوليو ليس مجرد مناسبة يستعيدها التاريخ، وإنما فرصة للتأمل في سؤال الدولة: كيف تُبنى؟ وكيف تحمي أبناءها؟ وكيف تصبح المؤسسات أقوى من الأزمات، والوطن أكبر من الخلافات؟

إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى استدعاء الماضي من أجل البكاء عليه، وإنما يحتاج إلى استلهام كل تجربة أسهمت في بناء الدولة، والاستفادة من دروس النجاح والإخفاق معًا، حتى لا يبقى الوطن أسير دائرة لا تنتهي من الصراع.

سيظل السابع عشر من يوليو حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية اليمنية، ورمزًا لمرحلة ارتبطت في وجدان كثير من اليمنيين بالبناء والاستقرار والطموح. وسيظل السؤال مفتوحًا أمام الأجيال القادمة: كيف نستعيد اليمن الذي يحلم به أبناؤه؟

فالأوطان لا تعيش على الذكريات، لكنها أيضًا لا تنهض إذا أنكرت محطاتها الكبرى. والتاريخ لا يطلب منا أن نتوقف عنده، بل أن نفهمه، وأن نجعل منه جسرًا نعبر به نحو المستقبل.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في السابع عشر من يوليو، أن الأوطان لا تُقاس بطول السنوات، وإنما بما تزرعه في قلوب أبنائها من أمل. وحين يصبح الأمل مشروعًا، ويصبح البناء ثقافة، وتصبح الدولة حلمًا يجتمع حوله اليمنيون، فإن كل يوم يشبه السابع عشر من يوليو سيكون عيدًا جديدًا لليمن.