تعز.. الأمطار تعيد الحياة إلى وادي الضباب وتنعش آمال المزارعين
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ 5 ساعات
بعد أشهر طويلة من الجفاف الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيًا إلى وادي الضباب، أحد أهم الأودية الزراعية غرب المدينة، مع هطول الأمطار الموسمية واستئناف المزارعين أعمالهم الزراعية التي توقفت أو تراجعت بشكل كبير خلال الفترة الماضية.
في هذه الأيام، تبدو أراضي الوادي أكثر حيوية مقارنة بما كانت عليه قبل أشهر، حيث عادت حركة المزارعين إلى الحقول، وبدأت معدات الحراثة تشق التربة من جديد استعدادًا لموسم زراعي يأمل الأهالي أن يكون أفضل من سابقه.
وبينما تكتسي أجزاء واسعة من الوادي باللون الأخضر تدريجيًا، يراهن السكان على أن تشكل الأمطار الأخيرة نقطة تحول تعيد النشاط الزراعي إلى المنطقة التي طالما مثلت سلة غذائية مهمة لمدينة تعز.
الجفاف.. أزمة ترهق المزارعين
شهدت محافظة تعز خلال الأشهر الماضية موجة جفاف أثرت بشكل مباشر على القطاع الزراعي، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد بصورة كبيرة على مياه الأمطار والآبار السطحية.
وفي وادي الضباب، انعكست هذه الظروف على حجم المساحات المزروعة ومستويات الإنتاج الزراعي، حيث اضطر عدد من المزارعين إلى تقليص أنشطتهم الزراعية أو التوقف عنها مؤقتًا بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف التشغيل.
يقول المزارع غلاب سعيد لـ "الساحل الغربي"، إن الجفاف في المنطقة أدى إلى خسائر كبيرة في بعض المحاصيل الموسمية، كما تسبب في ارتفاع تكاليف الري نتيجة الحاجة إلى ضخ المياه من أعماق أكبر أو شراء المياه بأسعار مرتفعة.
ويضيف: "مع استمرار تراجع مصادر المياه، واجه كثير من المزارعين صعوبات في الحفاظ على محاصيلهم أو الاستمرار في زراعتها، ما أثر على دخولهم الاقتصادية وأوضاع أسرهم المعيشية".
ولم تقتصر آثار الجفاف على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت إلى الجوانب الاجتماعية، إذ تعتمد مئات الأسر في وادي الضباب على الزراعة كمصدر أساسي للدخل، سواء من خلال زراعة الخضروات أو العمل في الحقول أو تسويق المنتجات الزراعية، ولذلك فإن أي تراجع في النشاط الزراعي ينعكس بصورة مباشرة على أوضاع هذه الأسر وقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.
الأمطار تعيد الأمل
مع بداية موسم الأمطار، تبدلت الصورة تدريجيًا في الوادي؛ فقد ساهمت الأمطار الأخيرة في تحسين رطوبة التربة ورفع منسوب المياه في بعض الآبار والخزانات الزراعية، الأمر الذي شجع المزارعين على العودة إلى أراضيهم واستئناف أعمالهم الزراعية.
وفي مختلف أرجاء الوادي، يمكن مشاهدة المزارعين وهم يحرثون الأراضي ويجهزون المشاتل الزراعية ويباشرون زراعة عدد من المحاصيل الموسمية، كما عادت حركة بيع البذور والأسمدة والشتلات الزراعية إلى الأسواق المحلية بعد فترة من الركود النسبي الذي رافق موسم الجفاف.
ويؤكد مزارعون أن الأمطار الأخيرة أعادت إليهم الأمل بإمكانية تحقيق موسم زراعي جيد، خاصة إذا استمرت معدلات الهطول خلال الأسابيع والأشهر القادمة، مشيرين إلى أن تحسن الظروف المناخية الحالية يمنحهم فرصة لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال الفترة الماضية.
أهمية وادي الضباب
لا تقتصر أهمية وادي الضباب على كونه منطقة زراعية تخدم سكانه فحسب، بل يعد أحد أهم المصادر التي تزود أسواق مدينة تعز بالخضروات والمنتجات الزراعية الطازجة على مدار العام.
ويتميز الوادي بتربته الخصبة وموقعه الجغرافي القريب من مدينة تعز، ما جعله مركزًا مهمًا للنشاط الزراعي والتجاري في المحافظة، وتنتج مزارعه أنواعًا متعددة من الخضروات والمحاصيل الزراعية التي تُنقل يوميًا إلى الأسواق المحلية، حيث يعتمد عليها التجار والمستهلكون بصورة كبيرة.
ويشتهر الوادي بإنتاج طيف واسع من المحاصيل الزراعية التي تشمل الخضروات والفواكه والحبوب، ما جعله أحد أهم المصادر التي تزود أسواق مدينة تعز بالمنتجات الزراعية الطازجة على مدار العام.
وبحسب مزارعين تتنوع المحاصيل المزروعة في الوادي بين الطماطم والبصل والخيار والكوسة والبامية والبسباس، إلى جانب محاصيل الحبوب مثل الذرة الشامية والقمح، فضلًا عن أشجار الفاكهة والبن والمانجو والباباي.
ويسهم هذا التنوع في تعزيز الأمن الغذائي المحلي وتوفير مصادر دخل لمئات الأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، وتشير بيانات مكتب الزراعة إلى أن الوادي يمتلك إمكانات إنتاجية كبيرة، إذ تسجل بعض المحاصيل معدلات إنتاج مرتفعة للهكتار الواحد، الأمر الذي يؤكد الأهمية الاقتصادية للمنطقة ودورها في دعم الأسواق المحلية.
كما يوفر النشاط الزراعي في الوادي فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعدد كبير من السكان، بدءًا من العمال الزراعيين وصولًا إلى العاملين في النقل والتسويق والتجارة المرتبطة بالمنتجات الزراعية، ولذلك فإن انتعاش الزراعة في المنطقة لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد أثره إلى قطاعات اقتصادية ومجتمعية متعددة.
تحديات مستمرة
رغم الأهمية الزراعية التي يتمتع بها وادي الضباب، إلا أن المزارعين يواجهون جملة من التحديات التي تؤثر على قدرتهم الإنتاجية واستمرار نشاطهم الزراعي، وتحد من قدرته على تحقيق نمو مستدام.
ويأتي شح المياه في مقدمة هذه التحديات، حيث لا تزال مصادر المياه المتاحة غير كافية لتغطية الاحتياجات الزراعية بشكل كامل، خصوصًا في سنوات الجفاف أو تراجع الأمطار.
إلى جانب ذلك، يشكو المزارعون من ارتفاع أسعار الوقود المستخدم في تشغيل مضخات المياه، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما يشمل أسعار البذور والأسمدة والمبيدات الزراعية ووسائل الري، الأمر الذي قلّص من هامش الأرباح ودفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أخرى ذات تكاليف أقل.
وتفيد شهادات المزارعين بأن الزراعة في وادي الضباب تواجه تحديات مرتبطة بانتشار الآفات والأمراض الزراعية التي تتسبب بخسائر متكررة للمزارعين، ومن أبرزها مرض "الحُراق" الذي يؤدي إلى تلف الأشجار والمحاصيل قبل نضجها، إضافة إلى حشرة ذبابة الفاكهة التي تصيب العديد من المحاصيل وتؤثر على جودتها وإنتاجيتها.
ويشير عدد منهم إلى أن غياب برامج الدعم الزراعي المنتظمة يجعلهم أكثر عرضة للخسائر الناتجة عن التقلبات المناخية أو الأزمات الاقتصادية، كما أن محدودية مشاريع حصاد مياه الأمطار والسدود والحواجز المائية تؤثر على قدرة المنطقة في الاستفادة المثلى من مواسم الأمطار، مؤكدين الحاجة إلى شبكات الري الحديثة والإرشاد الزراعي، وهي عوامل يرون أنها ضرورية للحفاظ على استدامة الإنتاج الزراعي وتعزيز قدرة الوادي على مواصلة دوره كمصدر رئيسي للغذاء في مدينة تعز.
تأثير التغيرات المناخية
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت التغيرات المناخية أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في اليمن عمومًا وفي تعز على وجه الخصوص، فقد شهدت مواسم الأمطار تذبذبًا ملحوظًا بين سنوات الجفاف وسنوات الهطول الغزير، ما جعل التخطيط الزراعي أكثر صعوبة بالنسبة للمزارعين.
ويرى مختصون أن استمرار هذه التغيرات يستدعي تعزيز إجراءات التكيف المناخي، من خلال التوسع في مشاريع حصاد المياه واستخدام تقنيات الري الحديثة وتطوير أصناف زراعية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المتغيرة، ويشددون على أهمية توفير الدعم الفني والإرشادي للمزارعين لمساعدتهم على تحسين الإنتاج الزراعي وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية.
آمال المزارعين
رغم التحديات القائمة، يبدي المزارعون في وادي الضباب قدرًا كبيرًا من التفاؤل مع بداية الموسم الزراعي الجديد؛ فالأمطار التي هطلت مؤخرًا أعادت الحياة إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وشجعت كثيرًا من المزارعين على استئناف نشاطهم بعد فترة من التراجع.
ويأمل الأهالي أن يستمر هطول الأمطار خلال الأشهر القادمة بما يضمن توفير المياه اللازمة للمحاصيل الزراعية وتحسين مستويات الإنتاج، كما يتطلعون إلى تنفيذ مشاريع تنموية تدعم القطاع الزراعي وتساعد على تعزيز قدرته على مواجهة التحديات المختلفة.
وبين أصوات المزارعين في الحقول ومشاهد الأراضي التي استعادت جزءًا من اخضرارها، يستعيد وادي الضباب شيئًا من عافيته الزراعية بعد موسم قاسٍ من الجفاف، في مشهد يعكس قدرة الأرض والإنسان على النهوض من جديد؛ فمع كل شتلة تُزرع وكل حقل يعود إلى الإنتاج، تتجدد آمال المزارعين بمستقبل أكثر استقرارًا، يعيد للوادي دوره الحيوي كمصدر للغذاء والحياة في محافظة تعز.