حين تلتقي صرامة الميدان بإنسانية القائد

منذ ساعة

ليست عظمة القادة بما تحمل أسماؤهم من ألقاب، ولا بما تمنحهم المناصب من نفوذ، وإنما بما يتركونه من أثر في حياة الناس، وبما يحتفظون به من إنسانية حين تضعهم المسؤولية في أعلى مواقع القرار.

وفي هذا المعنى، تبدو شخصية الفريق أول ركن طارق محمد عبدالله صالح مختلفة في أكثر من جانب؛ فهو قائد عسكري عرفته ميادين المواجهة، وسياسي حاضر في صناعة القرار الوطني بصفته نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورجل دولة يدرك أن بناء الوطن لا يكون بالقوة وحدها، وإنما بالإنسان الذي من أجله تُبنى الدولة وتُخاض المعارك.

لكن بعيدا عن الرتبة والمنصب والموقع السياسي، هناك طارق آخر؛ طارق الإنسان. 
ذلك الإنسان الذي يشعر بمعاناة البسطاء، ويتلمس احتياجاتهم، ويقترب من تفاصيل حياتهم، ويؤمن بأن المسؤولية الحقيقية لا تكتمل ما لم تصل آثارها إلى المواطن في قريته ومنزله وطريقه ومصدر مائه.

القائد الذي يرى الإنسان قبل كل شيء

في بلد أنهكته الحرب، لم تعد معاناة الناس بحاجة إلى شرح طويل.
هناك قرى تحتاج إلى الماء، ومناطق تحتاج إلى الطرق، وجرحى ينتظرون الرعاية، وأسر أنهكتها الظروف، وأناس بسطاء لا يريدون أكثر من أن يجدوا من يسمعهم ويشعر بوجعهم.

ومن هنا تبرز قيمة المبادرات والمساعدات الإنسانية والخدمية التي تمتد إلى مشاريع الطرق والمياه، ورعاية الجرحى، ومساندة المحتاجين.

قد تبدو هذه الأعمال في ظاهرها مشاريع خدمية، لكنها في جوهرها تحمل رسالة أعمق:
أن المواطن ليس وحده.
وأن الدولة لا ينبغي أن تكون بعيدة عن معاناة الناس.
وأن القائد الذي يتحمل مسؤولية الوطن عليه أن يشعر أيضًا بمسؤولية الإنسان.

من خنادق القتال إلى مؤسسات الدولة

طارق صالح ليس رجل مكاتب. 
فالميدان العسكري جزء أساسي من تجربته، ومن يعرف العمل العسكري يدرك أن القيادة الحقيقية تُختبر في أصعب الظروف، عندما يكون القرار مسؤولية، والخطأ ثمنه غالياً، والرجال ينتظرون من قائدهم الثبات والشجاعة.

لكن انتقاله إلى موقع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي أضاف إلى تجربته مسؤولية أخرى؛ مسؤولية رجل الدولة الذي يتعامل مع السياسة باعتبارها إدارة لمصالح وطن، لا مجرد مواقف عابرة.

وهنا تتجلى خصوصية تجربته: 
عسكري يعرف الميدان، وسياسي يعرف تعقيدات المشهد، ورجل دولة يدرك أن نهاية الحرب لا تعني نهاية المسؤولية.
فالمعركة الحقيقية لا تتوقف عند حماية الأرض، بل تمتد إلى إعادة بناء الإنسان، وترميم ما دمرته الحرب، واستعادة الأمل لدى المواطن.

الجرحى.. عنوان الوفاء

في حياة الجيوش، هناك رجال يذهبون إلى الميدان بأجسادهم، ثم يعودون منه محمّلين بإصابات ستبقى معهم بقية حياتهم.
هؤلاء لا يحتاجون إلى الاحتفاء بهم بالكلمات فقط، بل يحتاجون إلى الوفاء الحقيقي.
ورعاية الجرحى والوقوف إلى جانبهم ليست مجرد مساعدة إنسانية؛ إنها رسالة لكل مقاتل في الميدان بأن تضحيته لن تُنسى، وأن المؤسسة التي قاتل من أجلها ستظل إلى جواره عندما يحتاجها.
وهذه الرسالة لا تقل أهمية عن السلاح في بناء الثقة والروح المعنوية.

التواضع.. حين لا تغيّر المناصب أصحابها

ومن يعرف الفريق أول ركن طارق صالح عن قرب، أو يجالسه بعيدا عن أجواء الاجتماعات الرسمية، يدرك جانبا آخر من شخصيته: البساطة والتواضع وحسن التعامل.
فالرتبة العالية لم تمنعه من الاقتراب من الناس، والمنصب السياسي لم يصنع حوله جدارا يحجب عنه أصوات البسطاء.
وهذه صفة لا يمكن اصطناعها طويلًا.
فالإنسان عندما يجلس أمام الناس تظهر شخصيته الحقيقية؛ هل يسمع أم يتجاهل؟ هل يتواضع أم يتعالى؟ هل يشعر بمعاناة الآخرين أم يراها مجرد أرقام؟
وفي هذه التفاصيل الصغيرة تظهر معادن الرجال.

الدولة التي تبدأ من الإنسان.. 
الدولة التي نريدها ليست دولة مكاتب وقرارات فقط.
الدولة الحقيقية هي التي يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية.
في الطريق الذي يسلكه، والماء الذي يصل إلى منزله، والمستشفى الذي يستقبل جريحه، والمساعدة التي تصل إلى أسرته عندما تضيق بها الظروف.

ولهذا فإن المشاريع الإنسانية والخدمية تكتسب أهمية تتجاوز قيمتها المباشرة؛ لأنها تساهم في بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة، علاقة أساسها الثقة والاهتمام والشعور بالمسؤولية.
ومن هذه الزاوية، يصبح العمل الإنساني جزءا من مشروع بناء الدولة، وليس عملًا منفصلًا عن السياسة أو الأمن أو الجيش.

القوة حين تكون في خدمة الإنسان

القائد القوي ليس بالضرورة من يملك أعلى رتبة أو أكبر قوة.
القائد القوي هو من يستطيع أن يستخدم قوته في المكان الصحيح، وأن يجمع بين الحزم والرحمة، وبين القرار والشعور، وبين الميدان والإنسان.
وهذه هي الصورة التي يمكن أن تختصر شخصية طارق صالح: رجل ميدان عندما يتطلب الوطن المواجهة، ورجل سياسة عندما تتطلب المرحلة الحكمة، ورجل دولة عندما تكون المسؤولية بناء المستقبل، وإنسان عندما يقف أمام معاناة مواطن.

أكبر من منصب

في النهاية، المناصب تتغير. والظروف السياسية تتبدل. والأيام تحمل معها الكثير من التحولات. لكن ما يبقى هو أثر الإنسان في حياة الآخرين.
فمن وقف إلى جانب محتاج او عزيز ذلته الظروف والاحداث، او جريح، أو ساهم في إيصال الماء إلى قرية، أو فتح طريقا أمام منطقة محرومة، أو مد يد العون إلى محتاج، يترك أثرا لا تمحوه عناوين الأخبار.

ومن هنا أقول، بعيدًا عن لغة المجاملة والمبالغة: إن أعظم ما يمكن أن يملكه القائد ليس الرتبة، ولا الموقع، ولا القوة، وإنما قلب يشعر بالناس.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن الحديث عن الفريق أول ركن طارق محمد عبدالله صالح لا يكتمل بالحديث عنه بوصفه نائبا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي أو قائدًا للمقاومة الوطنية فقط.
فهناك جانب آخر يستحق أن يُكتب عنه:

إنسانية القائد.

فحين تجتمع شجاعة الميدان، وحكمة السياسة، ومسؤولية الدولة، وتواضع الإنسان، يصبح القائد أكبر من منصبه، وتصبح قيمته فيما يتركه خلفه من أثر في الناس والوطن.

طارق صالح.. قائد في الميدان، رجل دولة في السياسة، وإنسان بين الناس.
وهذه، في تقديري، هي الصورة التي تستحق أن تُروى.