أزمة السيولة تعكر استعدادات العيد في تعز وتضع المواطنين أمام طوابير الانتظار
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار كثير من المواطنين نحو الأسواق لشراء مستلزمات العيد وتجهيز احتياجات أسرهم، غير أن المشهد في مدينة تعز يبدو مختلفًا هذا العام، حيث يواجه السكان صعوبة متزايدة في الحصول على السيولة النقدية.
وبين طوابير الانتظار الطويلة أمام شركات الصرافة والبحث عن وسائل بديلة لتأمين مبالغ بسيطة، يجد المواطنون أنفسهم أمام تحدٍ جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات الاقتصادية التي تعيشها المدينة منذ سنوات حرب مليشيا الحوثي.
ولا تقتصر آثار أزمة السيولة على تعقيد المعاملات المالية فحسب، بل تمتد لتطول تفاصيل الحياة اليومية للسكان، خاصة مع اقتراب مناسبة اجتماعية مهمة مثل عيد الفطر، التي اعتاد اليمنيون خلالها شراء الملابس والحلوى وتبادل الزيارات.
لكن مع صعوبة الحصول على السيولة النقدية، بات كثير من الأهالي عاجزين عن تنفيذ هذه الاستعدادات بالشكل المعتاد، الأمر الذي انعكس بوضوح على حركة الأسواق وعلى المزاج العام في المدينة.
معاناة الناس.. طوابير أمام شركات الصرافة
في عدد من أحياء المدينة المحاصرة، يتجمع المواطنون أمام شركات الصرافة والبنوك لساعات طويلة، في محاولة لسحب حوالاتهم المالية أو استبدال العملات الأجنبية بالنقد المحلي.
يتحدث المواطن عبدالسلام محمد لـ "الساحل الغربي" عن معاناته مع أزمة السيولة في مدينة تعز، قائلًا إنه يضطر للانتظار ساعات طويلة أمام شركات الصرافة في محاولة للحصول على مبالغ نقدية محدودة، في ظل ازدحام كبير ونقص في السيولة لدى بعض البنوك ومحلات الصرافة.
ويضيف أن كثيرًا من المواطنين يعودون في نهاية المطاف دون أن يتمكنوا من سحب أموالهم، بعد أن يفاجؤوا بنفاد النقد أو بتحديد سقف منخفض للمبالغ التي يمكن صرفها.
ويشير عبدالسلام إلى أن هذه الأزمة ليست جديدة، لكنها تتكرر بشكل أكثر في المواسم التي يرتفع فيها الطلب على النقد، ومع ذلك، حدتها تبدو أكبر هذا العام، في ظل تراجع القدرة الشرائية وازدياد الضغوط الاقتصادية التي يواجهها الكثير من العائلات.
ويؤكد أن الحصول على المال بات أشبه برحلة يومية مرهقة، إذ يضطر أحيانًا للتنقل بين أكثر من شركة صرافة في أحياء مختلفة من المدينة أملاً في العثور على سيولة متاحة، مشيرًا إلى أن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عند محاولة استلام حوالات مالية يرسلها أقارب يعملون خارج البلاد، حيث يضطر بعض المستفيدين للعودة أكثر من مرة أو الانتظار لساعات طويلة قبل الحصول على أموالهم، وهو ما يربك خطط الأسر واستعداداتها لموسم العيد.
الحوالات المالية
تشكل الحوالات المالية من المغتربين أحد أهم مصادر الدخل للعديد من الأسر في تعز، إذ يعتمد عليها كثير من السكان لتغطية احتياجاتهم الأساسية؛ ومع اقتراب العيد، تزداد عادة هذه الحوالات بهدف مساعدة العائلات على تلبية متطلبات المناسبة.
لكن أزمة السيولة تعوق وصول هذه الأموال إلى مستحقيها بسهولة، حيث يجد بعض المستفيدين صعوبة في سحب حوالاتهم بالعملة الوطنية، ويؤكد كثيرون أنهم يضطرون أحيانًا إلى سحبها بالعملة الأجنبية وصرفها لدى بعض التجار بسعر أقل من السعر الرسمي.
ويشكو مواطنون من أن بعض شركات الصرافة تفرض قيودًا على عمليات السحب، مثل تحديد سقف يومي للمبالغ التي يمكن صرفها، الأمر الذي يزيد من معاناة المواطنين في ظل الحاجة الملحة للسيولة.
انعكاسات
لا تقتصر أزمة السيولة على الجانب المالي فقط، بل تنعكس بشكل مباشر على النشاط التجاري في أسواق المدينة، ففي أسواق الملابس والحلوى والمستلزمات المنزلية، يشير تجار إلى تراجع نسبي في حركة الشراء مقارنة بالسنوات السابقة.
يقول عبدالله القميري، أحد التجار لـ"الساحل الغربي"، إن كثيرًا من الزبائن يأتون للسؤال عن الأسعار أو لمشاهدة البضائع، لكنهم يؤجلون الشراء بسبب عدم توافر النقد الكافي لديهم، مضيفًا أن بعض العائلات تفضل تأجيل شراء الملابس الجديدة لأطفالها أو تقليل حجم المشتريات هذا العام.
ويؤكد القميري أن التعامل بالعملات الأجنبية أصبح أكثر تعقيدًا في بعض الحالات، حيث يفضل بعضهم البيع بالريال اليمني فقط، بينما يطلب آخرون تحويل العملة الأجنبية إلى نقد محلي قبل إتمام عملية الشراء.
خيارات محدودة
أمام هذه الأزمة، يحاول بعض السكان البحث عن حلول بديلة للحصول على السيولة؛ فهناك من يلجأ إلى الأقارب أو الأصدقاء لاقتراض مبالغ صغيرة بشكل مؤقت، بينما يعتمد آخرون على بيع بعض الممتلكات البسيطة لتوفير المال اللازم لتغطية احتياجات العيد.
يقول مختار أحمد، أحد سكان المدينة، إن العيد لم يعد كما كان، موضحًا أن الأسر باتت تركز على الضروريات فقط، مثل شراء ملابس للأطفال أو توفير بعض الحلويات البسيطة، بينما يتم الاستغناء عن كثير من العادات المرتبطة بالعيد بسبب الظروف الاقتصادية.
تأثيرات
إلى جانب الأثر الاقتصادي المباشر، تحمل أزمة السيولة انعكاسات نفسية واجتماعية على السكان، فموسم العيد الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتواصل الاجتماعي، يتحول لدى البعض إلى مصدر إضافي للقلق بسبب صعوبة تلبية احتياجات الأسرة.
ويشير كثيرون إلى أن الضغوط المالية تجعل كثيرًا من الآباء يشعرون بالعجز أمام متطلبات العيد واحتياجات الأسرة، كما أن تراجع الحركة في الأسواق ينعكس بدوره على دخل التجار وأصحاب المحال الصغيرة، الذين يعتمدون بشكل كبير على المواسم مثل الأعياد لتعويض جزء من خسائرهم خلال العام.
أزمة متجذرة
يرى مراقبون أن أزمة السيولة في تعز لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي تعيشه المناطق المحررة، وفي ظل غياب حلول سريعة، تبقى هذه الأزمة مرشحة للتكرار في مواسم مختلفة، ما لم يتم تطوير آليات أكثر فعالية لإدارة السيولة وتسهيل وصول المواطنين إلى أموالهم.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية قد يخفف من حدة أزمة السيولة في المستقبل، خصوصًا في المدن؛ فانتشار هذه الوسائل يتطلب جهودًا مشتركة من المؤسسات المالية والجهات الحكومية لتعزيز الوعي وتوفير خدمات مالية أكثر مرونة، بما يتيح للمواطنين إجراء معاملاتهم دون الاعتماد الكامل على النقد.
بساطة العيد
رغم الصعوبات الاقتصادية وأزمة السيولة التي تواجهها مدينة تعز، يحاول كثير من السكان الحفاظ على روح العيد بقدر الإمكان؛ فالعائلات تسعى لإيجاد طرق بسيطة للاحتفال بالمناسبة، سواء عبر إعداد بعض الأطعمة التقليدية في المنزل أو تنظيم زيارات عائلية متواضعة.
ويؤكد مواطنون أن العيد بالنسبة لهم ليس في المشتريات أو المظاهر، بل في اجتماع العائلة وتبادل التهاني، حتى في ظل الظروف الصعبة، ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا لدى كثيرين بأن تتحسن الأوضاع الاقتصادية وأن تضع الحكومة اليمنية والبنك المركزي حلولًا عاجلة وضخ السيولة النقدية، بما يتيح للناس استعادة جزء من حياتهم الطبيعية.