تكبيرات وكعك وأمنيات مؤجلة.. ملامح عيد الفطر في المدن والقرى اليمنية
- تعز، الساحل الغربي، عبدالصمد القاضي:
- منذ ساعتين
مع اقتراب فجر الأول من شوال، تتبدل ملامح المدن والقرى اليمنية. فبعد شهر كامل من الصيام، يستيقظ اليمنيون على أصوات التكبيرات التي تتردد من المساجد والأحياء، معلنة حلول عيد الفطر. لكن هذا العيد، كما في الأعوام الماضية، يأتي مثقلاً بظلال الحرب والأزمة الاقتصادية، التي ألقت بثقلها على تفاصيل الحياة اليومية.
ورغم قسوة الظروف، يحرص اليمنيون على استقبال العيد بطقوس اجتماعية متوارثة، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الفرح في بلد أنهكته سنوات طويلة من الصراع.
يقول المواطن أحمد عبدالكريم، وهو موظف حكومي في مدينة تعز: “العيد بالنسبة لنا لم يعد كما كان قبل الحرب، لكننا نحاول أن نصنع فرحة ولو بسيطة لأطفالنا. ربما نقلل المصاريف، لكن لا يمكن أن يمر العيد دون احتفال”.
أم تصنع العيد لأطفالها
في أحد الأحياء الشعبية بمدينة تعز، كانت أم محمد تقضي ليلة العيد في ترتيب ملابس أطفالها الخمسة. تقول إنها اشترت هذه الملابس بعد أن ادخرت جزءاً بسيطاً من مصروف الأسرة طوال شهر رمضان.
تبتسم وهي تقول: “الأطفال ينتظرون العيد طوال العام. قد لا نشتري الكثير، لكن المهم أن يشعروا أن العيد جاء”.
تضيف وهي تشير إلى كيس صغير من الحلوى والمكسرات: “حتى لو كان بسيطاً، فإن وجوده على مائدة العيد يغير مزاج البيت كله”.
قصة أم محمد تعكس حال آلاف الأسر اليمنية التي تحاول، رغم ضيق الحال، الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، حتى لا يشعر الأطفال بثقل الأزمات التي يعيشها الكبار.
الأسواق… ازدحام الفقراء
في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، تعود الحياة إلى الأسواق الشعبية في المدن اليمنية.
في صنعاء وتعز والحديدة وعدن، تمتلئ الأسواق بالمتسوقين الباحثين عن ملابس العيد والألعاب والحلويات.
ورغم ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فإن كثيراً من الأسر تحرص على شراء بعض الاحتياجات الأساسية للعيد، ولو بكميات محدودة.
يقول التاجر محمد الصالحي، صاحب محل ملابس في سوق شعبي:
“الناس تأتي إلى السوق رغم الغلاء، لكنها تشتري أقل بكثير مما كانت تشتريه قبل الحرب. العيد بالنسبة لهم مناسبة لا يمكن التخلي عنها، حتى لو كانت الإمكانيات محدودة”.
ويرى مراقبون أن الأسواق في اليمن تتحول خلال الأيام الأخيرة من رمضان إلى مؤشر اجتماعي يعكس حجم التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون.
ليلة العيد… طقوس لا تختفي
ليلة العيد في اليمن لها طابع خاص، خاصة في المناطق الريفية. النساء ينشغلن بإعداد الكعك والحلويات التقليدية، بينما يتولى الرجال شراء ما تبقى من احتياجات المنزل.
في بعض القرى، يجتمع الشباب في الساحات لتبادل التهاني، فيما يخرج الأطفال لاستعراض ملابسهم الجديدة واللعب حتى ساعات متأخرة من الليل.
تقول هناء المريسي، وهي ربة منزل في إحدى قرى محافظة إب: “ليلة العيد لا تشبه أي ليلة أخرى. حتى لو كانت الظروف صعبة، نحاول أن نحافظ على العادات التي تربينا عليها”.
صباح العيد… صلاة وصلة رحم
مع أول خيوط الفجر، يتجه اليمنيون إلى المساجد والساحات لأداء صلاة العيد. وبعد انتهاء الصلاة، تبدأ واحدة من أهم العادات الاجتماعية في اليمن، وهي تبادل الزيارات بين الأقارب والجيران.
في هذا اليوم، تفتح البيوت أبوابها للجميع، وتُقدَّم القهوة اليمنية والحلويات والمكسرات للضيوف، بينما يحصل الأطفال على “العيدية” التي تبقى من أكثر اللحظات التي ينتظرونها.
ويرى الباحث الاجتماعي الدكتور عبدالله العريقي أن هذه العادات تمثل “شبكة تضامن اجتماعي” تساعد المجتمع على التماسك في أوقات الأزمات.
ويضيف: “في المجتمعات التي تمر بصراعات طويلة، تصبح المناسبات الاجتماعية مثل العيد وسيلة للحفاظ على الروابط الاجتماعية وتعزيز الشعور بالانتماء”.
اختلاف الاحتفال بين المدينة والريف
تختلف مظاهر الاحتفال بالعيد بين المدن اليمنية والأرياف، لكن جوهر المناسبة يبقى واحداً. في المدن، تتركز مظاهر العيد في الزيارات العائلية والخروج إلى الحدائق والمتنزهات، إن وجدت.
أما في الأرياف، فيتحول العيد إلى مناسبة اجتماعية واسعة، حيث تقام اللقاءات القبلية والرقصات الشعبية مثل “البرع”، إضافة إلى تنظيم الأعراس التي يفضل كثير من اليمنيين إقامتها خلال أيام العيد.
هذه الطقوس، رغم بساطتها، تعكس عمق البعد الاجتماعي والثقافي لعيد الفطر في اليمن.
العيد كمساحة للأمل
بعد سنوات من الحرب والانقسام، لم يعد العيد في اليمن مجرد مناسبة دينية، بل أصبح مساحة إنسانية يحاول الناس من خلالها استعادة شعورهم بالحياة.
يقول الشاب خالد محمد من مدينة الحديدة: “العيد يمنحنا فرصة لننسى قليلاً هموم الحياة. ربما لا تتغير الظروف، لكن مجرد اجتماع العائلة يمنحنا بعض الأمل”.
ويرى مراقبون أن تمسك اليمنيين بطقوس العيد رغم كل الصعوبات يعكس قدرة المجتمع على التكيف مع الأزمات، والحفاظ على هويته الثقافية والاجتماعية.
عيدٌ ينتظر السلام
في نهاية المطاف، قد تكون مظاهر العيد في اليمن أقل بريقاً مما كانت عليه في الماضي، لكن روح العيد ما تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
أطفال يركضون بملابس جديدة، وأمهات يحاولن إخفاء التعب خلف ابتسامة، وآباء يرددون الدعاء ذاته في كل صباح عيد: أن يأتي العيد القادم في يمنٍ أكثر أمناً وسلاماً.