التبرعات القسرية في ريف صنعاء: اقتصاد حرب ينهك المزارعين ويقوض الأمن الغذائي

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعتين

في ظل أزمة إنسانية تُعد من بين الأشد تعقيداً واستمرارية في العالم اليوم، تتصاعد في مناطق ريف العاصمة المختطفة صنعاء ممارسات فرض التبرعات القسرية، في مشهد يعكس تحوّلًا متزايدًا نحو ما يُعرف باقتصاد الحرب، بوصفه أحد الأدوات الرئيسية لاستمرار الصراع وتمويل مليشيا الحوثي الإرهابية.

هذه الممارسات لا تأتي بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه المناطق المنكوبة بالمليشيا، حيث أدت حرب المليشيا إلى إنهاك البنية الاقتصادية، وتآكل مصادر الدخل، وتراجع قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية، ما جعل المجتمعات المحلية أكثر هشاشة وأقل قدرة على مقاومة الضغوط المتزايدة.

وتُقدَّم هذه التبرعات تحت مسميات التبرعات والمجهود الحربي والقوافل العيدية، غير أن مضمونها الفعلي، يقترب من الإلزام غير المعلن، حيث تُفرض على الأسر والمزارعين والتجار ضمن آليات ضغط اجتماعي وإداري متفاوتة، ومع تكرار هذه الحملات واتساع نطاقها الجغرافي، تتحول من مبادرات موسمية إلى نمط شبه دائم من التحصيل، يفرض نفسه على الحياة اليومية للسكان.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه معظم سكان هذه المناطق من أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، تشمل انقطاع الرواتب لشرائح واسعة من الموظفين، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب موجات تضخم أثّرت بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح أي التزامات مالية أو عينية إضافية عبئًا ثقيلًا، يهدد قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ويدفع بالكثير منها إلى استنزاف ما تبقى من مدخراتها أو تقليص إنفاقها على الغذاء والخدمات الضرورية.

ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية، حيث تُعيد تشكيل أنماط العلاقات داخل المجتمع، وتخلق حالة من التوتر بين متطلبات البقاء اليومي وضغوط الالتزام بما يُفرض من مساهمات.


اتساع نطاق الجبايات

تمثل التبرعات القسرية في ريف صنعاء نموذجًا مكثفًا لكيفية تداخل الاقتصاد بالحرب، حيث تتحول الموارد المحلية المحدودة إلى رافد مستمر لتمويل العمليات العسكرية للمليشيا، في وقت تتراجع فيه الأولويات المعيشية للسكان إلى الهامش، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة هذه المجتمعات على الصمود، وحول التداعيات طويلة المدى لاستمرار هذا النهج على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في اليمن.

مصادر خاصة تحدثت لـ "الساحل الغربي" أن مليشيا الحوثي الإرهابية كثّفت حملات النزول الميداني إلى القرى والعزل في محافظة ريف صنعاء، مستهدفة عددًا واسعًا من المديريات، من بينها همدان وسنحان وأرحب وبني حشيش وبني مطر ومناخة وصعفان وخولان والحيمتين.

وتضيف بأن مشرفين تابعين للمليشيا ينفذون زيارات منتظمة إلى المنازل والمزارع والأسواق، في إطار حملات تستهدف مختلف الفئات، من مزارعين وتجار وموظفين، طالبين تقديم مساهمات مالية وعينية، تُدرج ضمن ما يُوصف بأنه دعم للجبهات وإسناد المقاتلين، وغالبًا يحددون قيم هذه المساهمات بصورة تقديرية تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن أسرة إلى أخرى.

ورغم تغليف هذه الحملات بخطاب الطوعية، يؤكد سكان أن واقع الحال يعكس نمطًا من الإلزام غير المباشر، حيث تُمارس ضغوط متعددة على من يترددون في الدفع أو يحاولون الامتناع، وتشمل هذه الضغوط الاستدعاء إلى مقرات المليشيا، أو التعرض لمضايقات، فضلاً عن توجيه تهديدات مبطنة قد تتصل بالحرمان من بعض الخدمات أو التعرض لإجراءات تعسفية.

ويشير بعض السكان إلى أن هذه الممارسات تخلق حالة من الإكراه المجتمعي، إذ لا يقتصر الضغط على الجهات القائمة بالتحصيل، بل يمتد إلى المحيط الاجتماعي، حيث يُنظر إلى عدم المساهمة باعتباره تقصيرًا، ما يعزز من قابلية الامتثال.

ونتيجة لذلك، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للدفع، ليس فقط تفادياً للعقوبات المباشرة، بل تجنبًا لأي تبعات اجتماعية أو أمنية محتملة، وهو ما يحول التبرع في مضمونه إلى التزام شبه إجباري يثقل كاهل السكان في ظل أوضاع معيشية متدهورة.

 

آليات التحصيل
القطاع الزراعي

تعتمد المليشيا في تحصيل هذه التبرعات على شبكة من المشرفين واللجان الميدانية التي تعمل على تحديد المبالغ المفروضة على الأسر.. المصادر تؤكد أن هذه المبالغ تترواح بين 10 آلاف و50 ألف ريال بالعملة القديمة للأسرة الواحدة، مع إمكانية زيادتها بحسب الوضع الاقتصادي المفترض لكل أسرة.

لم تقتصر الجبايات التي تفرضها المليشيا على السكان في المدن والقرى، بل امتدت بشكل ملحوظ إلى القطاع الزراعي، الذي يُعد أحد أهم مصادر الدخل والمعيشة في ريف العاصمة المختطفة، وركيزة أساسية لاستمرار الأمن الغذائي المحلي.

تقول المصادر لـ "الساحل الغربي"، إن هذه الممارسات طالت المزارعين بشكل مباشر، حيث أُجبر كثيرون في مناطق متفرقة من ريف صنعاء على تقديم جزء من محاصيلهم الزراعية، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، إضافة إلى المواشي، ضمن القوافل التي تُسيَّر إلى الجبهات تحت مسميات متعددة.

ولا تقتصر هذه الإلزامية على المحاصيل الفائضة، بل تمتد في بعض الحالات إلى اقتطاع نسب من الإنتاج الأساسي الذي يعتمد عليه المزارعون في تغطية احتياجات أسرهم أو تسويقه في الأسواق المحلية، كما يُطلب من بعضهم المساهمة في تجهيز هذه القوافل، سواء من خلال توفير وسائل نقل أو تحمل جزء من تكاليف الشحن، ما يضيف أعباءً إضافية فوق الخسائر المباشرة.

ويؤكد مزارعون أن هذه الممارسات تُلحق أضرارًا مباشرة بإنتاجهم واستقرار نشاطهم الزراعي، إذ تؤدي إلى تقليص العائدات، وتُضعف قدرتهم على إعادة الاستثمار في مواسم الزراعة اللاحقة، وتتفاقم هذه التحديات في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والمدخلات الزراعية، مثل البذور والأسمدة ومواد الري، ما يجعل العملية الزراعية أكثر كلفة وأقل جدوى اقتصادية.

ويحذر عاملون في القطاع الزراعي من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع العديد من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعة كليًا، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل رئيسي على الإنتاج الموسمي، وهو ما قد ينعكس سلبًا على وفرة المنتجات في الأسواق المحلية، ويزيد من الاعتماد على الاستيراد.

 

تداعيات اقتصادية

تأتي هذه الممارسات في سياق اقتصادي هش، يعاني فيه السكان من أزمات متلاحقة تشمل انقطاع الرواتب لشرائح واسعة من الموظفين، وتراجع فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر المدقع، إضافة إلى موجات تضخم أثرت بشكل كبير على أسعار السلع الأساسية والخدمات الضرورية.

وفي هذا الإطار، يضاعف فرض التبرعات القسرية وطبيعتها الإلزامية من الضغوط الاقتصادية على الأسر، إذ يستنزف مواردها المحدودة ويحد من قدرتها على تأمين احتياجاتها اليومية، سواء في الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية، مما يفاقم من حدة معاناتها اليومية ويضعها أمام خيارات صعبة للحفاظ على استقرار حياتها.

وتتجاوز التداعيات الفرد لتشمل النشاط الاقتصادي بشكل أوسع، حيث يعاني التجار من ركود في الأسواق نتيجة تراجع القوة الشرائية للأسر، فيما يجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة معقدة بين الاستمرار في الإنتاج، رغم الخسائر المستمرة، أو التوقف عن الزراعة، وهو ما يؤدي إلى تقلص الإنتاج المحلي وإضعاف الأمن الغذائي في المناطق المتأثرة.


اقتصاد الحرب
خيار المليشيا

يرى مراقبون أن هذه الممارسات تمثل نموذجًا تعتمد عليه مليشيا الحوثي ضمن ما يُعرف باقتصاد الحرب، وهو نهج يقوم على تعبئة الموارد المحلية بصورة ممنهجة لدعم العمليات العسكرية، مؤكدين أن هذا النهج يأتي كخيار استراتيجي في ظل تراجع مصادر التمويل التقليدية للمليشيا، سواء بسبب القيود الدولية.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا النموذج الاقتصادي لا يقتصر على جمع التبرعات فحسب، بل يمتد ليشمل فرض الجبايات والرسوم بمختلف أشكالها، بما في ذلك الضرائب غير الرسمية والإتاوات على الأنشطة التجارية والزراعية والخدمية، كما يتضمن فرض مساهمات إضافية على النقل والتجهيز والتوزيع، ما يخلق دائرة مستمرة من الاستنزاف المالي للسكان.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تآكل القاعدة الإنتاجية في المناطق الريفية، حيث يؤدي الضغط على المزارعين إلى تقليص الإنتاج أو التخلي عن الزراعة، ما ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي.

 

توقعات

لا تقتصر التبرعات القسرية على ريف صنعاء، بل تمتد لتشمل المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي، وإن اختلفت أساليب التنفيذ بحسب الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة، ففي المدن الكبرى، تميل الجبايات إلى التركيز على الأنشطة التجارية والمؤسسات الخدمية، حيث يُفرض على التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة دفع مساهمات مالية متكررة، بينما يتركز في الأرياف على المحاصيل الزراعية والموارد الطبيعية، بما في ذلك المواشي والفواكه والخضراوات، والتي تُسلب من المزارعين ضمن قوافل مخصصة للجبهات.

ويعكس هذا التنوع في الأساليب قدرة مليشيا الحوثي على استغلال ما توفره البيئة المحلية من موارد، بهدف تحقيق أقصى استفادة ممكنة من السكان والأنشطة الاقتصادية في المناطق المنكوبة بسيطرتها.

ومع استمرار سنوات الحرب، يتوقع كثيرون أن تتوسع جبايات المليشيا لتشمل قطاعات وفئات جديدة، مثل أصحاب الحرف اليدوية، والشباب العاملين في أسواق محلية، مشيرين إلى أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى زيادة الضغط على السكان، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية.

فيما يعتقد البعض، أن تظهر لدى بعض السكان أشكال من المقاومة غير المباشرة، مثل تقليص الإنتاج الزراعي أو التجاري لتقليل المساهمات المفروضة، أو اللجوء إلى الهجرة الكاملة إلى المناطق المحررة الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.


السكان.. الحلقة الأضعف

يقول مراقبون إن استمرار هذه الممارسات التعسفية، يجعل سكان المناطق المنكوبة بالمليشيا الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، يدفعون ثمنها من معيشتهم وأمنهم الغذائي واستقرارهم الاجتماعي، في حين تعزز المليشيا الحوثية مواردها وتوسع نفوذها العسكري والاقتصادي.

وفي ظل غياب الحلول، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه المجتمعات على الصمود أمام الضغوط المتزايدة، ومدى استدامة النشاط الاقتصادي الريفي في المستقبل، في وقت يُستنزف فيه جزء كبير من الإنتاج المحلي لدعم المليشيا، مما يهدد بخلق أزمة إنسانية أعمق على المدى الطويل.

ذات صلة