بين الدعم الخفي والحسابات الجيوسياسية: هل تقف الصين وروسيا خلف إيران أم تتركانها تواجه مصيرها؟
- عدن، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، يتصاعد الجدل حول طبيعة الدورين الصيني والروسي في الحرب الدائرة مع إيران.. وبين تقارير تتحدث عن دعم استخباراتي وتقني مباشر، وأخرى تشير إلى غياب تدخل عسكري فعلي، تتكشف صورة أكثر تعقيداً تحكمها المصالح الاستراتيجية لكلا القوتين.
دعم غير مباشر: حماية دبلوماسية ومساندة استخباراتية
وفق تقرير نشره منتدى الشرق الأوسط، فإن الصين وروسيا لا تشاركان بشكل مباشر في القتال، لكنهما تؤديان أدواراً مؤثرة خلف الكواليس، توفر غطاءً دبلوماسياً لطهران وتدعم بعض جوانب مجهودها العسكري.
ففي الحالة الصينية، يتجاوز التعاون حدود السياسة إلى المجالين التقني والاستخباراتي.. إذ تستفيد بكين من الصراع كفرصة نادرة لمراقبة الأداء العسكري الغربي في ظروف قتالية حقيقية، بما يشمل أنظمة الدفاع الصاروخي والطائرات الشبحية والحرب الإلكترونية، وهي معطيات قيمة لتحديث قدرات جيشها.
كما يشير التقرير إلى دعم صيني لإيران عبر تزويدها بأنظمة رادار متطورة مثل YLC-8B القادر على رصد الطائرات الشبحية، إلى جانب مساعدات في مجالات الملاحة عبر الأقمار الصناعية باستخدام نظام "بيدو"، ما يقلل اعتماد طهران على النظام الأمريكي.
وفي الجانب الأمني، يُعتقد أن جهات صينية، بينها وحدات من وزارة أمن الدولة، تنشط داخل إيران لمساعدتها في مواجهة عمليات استخباراتية أجنبية.
موسكو: وسيط معلن وداعم خفي
أما روسيا، فتتبنى استراتيجية مزدوجة؛ إذ تقدم نفسها علناً كوسيط يسعى لوقف إطلاق النار، بينما تشير معلومات استخباراتية أمريكية وأوروبية إلى تقديمها دعماً مباشراً لإيران.
وتشمل هذه المساعدات تزويد طهران ببيانات حساسة عن مواقع القوات والسفن والطائرات الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى صور أقمار صناعية تساعد في تحسين دقة الاستهداف وتقييم الأضرار.
ورغم نفي الكرملين هذه الاتهامات، فإن تقارير متعددة تؤكد أن هذا الدعم أسهم في تمكين إيران من تنفيذ ضربات أكثر دقة ضد أهداف أمريكية.
استراتيجية ثلاثية: مصالح متقاطعة
يرى التقرير أن هذا التنسيق يعكس استراتيجية ثلاثية الأبعاد:
• الصين تسعى لحماية استثماراتها واختبار قدراتها العسكرية.
• روسيا تستفيد من إطالة أمد الصراع لتعزيز نفوذها ورفع أسعار النفط، بما يدعم اقتصادها في ظل حرب أوكرانيا.
• إيران تعزز قدرتها على الصمود والمناورة عسكرياً ودبلوماسياً.
رؤية مغايرة: لماذا لا تتدخل موسكو وبكين؟
في المقابل، يقدم تقرير نشرته ناشيونال إنترست قراءة مختلفة، معتبراً أن غياب تدخل عسكري مباشر من الصين وروسيا ليس تخاذلاً لكنه خياراً محسوباً بعناية.
فبحسب التقرير، تدرك بكين وموسكو أن انخراط الولايات المتحدة في حرب طويلة مع إيران يخدم مصالحهما الاستراتيجية، إذ يستنزف الموارد الأمريكية ويحول تركيزها بعيداً عن مناطق أكثر أهمية بالنسبة لهما، مثل المحيطين الهندي والهادئ.
الصين: أولوية آسيا والطاقة أولاً
تشير ناشيونال إنترست إلى أن الشرق الأوسط، رغم أهميته الاقتصادية، لا يحتل موقعاً متقدماً في سلم أولويات الأمن القومي الصيني مقارنة بتايوان أو اليابان.
كما أن الصين، التي تعتمد على إيران كمصدر رئيسي للطاقة –حيث اشترت أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية في عام 2025– تفضل تجنب المخاطر العسكرية المباشرة، خاصة في ظل امتلاكها مخزوناً نفطياً يكفي لأشهر، وقدرتها على تنويع مصادرها.
روسيا: مكاسب من إطالة أمد الحرب
أما روسيا، فتواجه قيوداً عملية بسبب انخراطها في الحرب الأوكرانية، ما يحد من قدرتها على تقديم دعم عسكري واسع لإيران.. ومع ذلك، فإن استمرار الصراع يمنحها مزايا غير مباشرة، أبرزها ارتفاع أسعار النفط وتحويل الانتباه الأمريكي بعيداً عن أوروبا الشرقية.
تحولات في الانتشار العسكري الأمريكي
في هذا الصدد، يلفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل بإعادة توزيع قواتها، عبر نقل وحدات عسكرية وأصول استراتيجية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملات طائرات وقوات برية.
هذا التحول يُنظر إليه في بكين كفرصة استراتيجية، إذ يقلل من الضغط العسكري الأمريكي في محيطها الإقليمي.
مشهد معقد بين الدعم والحياد
تكشف المقاربتان عن واقع مركب:
فالصين وروسيا ليستا غائبتين تماماً عن المشهد، لكنهما أيضاً لا ترغبان في التورط المباشر.. وبين الدعم غير المعلن والحسابات الجيوسياسية الباردة، يبدو أن القوتين تفضلان إدارة الصراع من الخلف، بما يحقق أقصى مكاسب ممكنة بأقل تكلفة.