تعز القديمة.. روح مدينة ومتحف مفتوح تغتالهما الخرسانة والعشوائية

  • تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

داخل الأسوار العتيقة والأزقة الضيقة التي احتفظت بذاكرة مدينة تعز لقرون، تتغير ملامح المكان بهدوء ولكن بصورة متسارعة؛ فالمباني الخرسانية الحديثة بدأت تزاحم البيوت الحجرية التقليدية، والتعديلات العمرانية المتلاحقة أخذت تتسلل إلى قلب المدينة القديمة، في مشهد قد يفقد المدينة جزءًا من هويتها التاريخية والمعمارية التي شكلت أحد أبرز معالمها الحضارية.

فالمدينة القديمة ليست مجرد تجمع سكني، بل سجل مفتوح لتاريخ طويل، تتداخل فيه العمارة الإسلامية مع الطابع اليمني التقليدي، وتروي مبانيها وأسواقها ومساجدها وحاراتها المتلاصقة قصة مدينة لعبت أدوارًا سياسية وتجارية وثقافية مهمة عبر مئات السنين؛ غير أن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات متزايدة مع استمرار التوسع العمراني غير المنظم، وضعف أدوات الحماية القانونية والرقابية.

وبين الحاجة المتنامية إلى السكن والتوسع العمراني من جهة، وضرورة الحفاظ على القيمة التاريخية للمدينة من جهة أخرى، تبرز أسئلة ملحة حول مستقبل هذه المدينة القديمة، وما إذا كانت ستنجح في الحفاظ على هويتها، أم أنها ستفقد تدريجيًا خصوصيتها المعمارية التي ميزتها عبر التاريخ.


متحف مفتوح.. قرون من التاريخ

تعد تعز القديمة، المحصورة تاريخيًا بين السور وبواباته الشهيرة، متحفًا مفتوحًا يجسد العمارة الإسلامية في أوج ازدهارها، وتمثل واحدة من أهم المدن التاريخية في اليمن، إذ يعود تاريخها إلى مئات السنين، وشهدت خلال مراحل مختلفة ازدهارًا سياسيًا وعلميًا وتجاريًا جعلها مركزًا مهمًا في تاريخ البلاد.

وتضم المدينة القديمة عددًا كبيرًا من المباني التاريخية والأسواق التقليدية والمساجد والمدارس والأحياء السكنية التي تعكس أنماط البناء اليمني القديم، حيث اعتمدت العمارة المحلية على الحجر والآجر والجص والأخشاب، مع تصميمات تراعي طبيعة المناخ والبيئة والهوية الثقافية للمجتمع.

وتتميز مدينة تعز القديمة بنمط معماري فريد ونسيج عمراني متجانس، لم يكن مجرد انعكاس لجماليات بصرية، بل تجسيدًا لفلسفة اجتماعية وبيئية متكاملة؛ إذ صُممت الأزقة الضيقة لتوفير الظل وتسهيل حركة المشاة وتعزيز تدفق الهواء، بينما شُيدت المباني بارتفاعات متقاربة تحقق التوازن البصري وتحافظ على الخصوصية العائلية، وتترابط الأزقة والساحات والأسواق ضمن منظومة عمرانية متكاملة حافظت على شخصية المدينة المعمارية عبر قرون طويلة، وهو ما يمنحها قيمة ثقافية وتراثية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وبحسب دراسات التراث العمراني اليمني وتقييم المدن التاريخية، فإن القيمة الأثرية لتعز القديمة لا تكمن فقط في مبانيها ومعالمها المنفردة، أو مساجدها الشهيرة كالمظفر والأشرفية والمعتبية، بل في تكامل نسيجها العمراني والسكني الذي يربط بين الإنسان والمكان في سيمفونية بصرية استثنائية، تشكل هوية المدينة وتعكس خصوصيتها التاريخية والثقافية.


توسع عمراني

خلال السنوات الأخيرة، بدأت المدينة القديمة تشهد توسعًا عمرانيًا متزايدًا داخل أحيائها ومحيطها المباشر، تمثل في إنشاء مبانٍ خرسانية متعددة الطوابق، وإجراء تعديلات على مبانٍ قائمة، إلى جانب استخدام مواد بناء حديثة تختلف بصورة واضحة عن المواد التقليدية التي عُرفت بها المدينة.

ولا تقتصر التغييرات على إنشاء مبانٍ جديدة، بل تشمل أيضًا استبدال الواجهات الحجرية التقليدية بواجهات إسمنتية، وإضافة طوابق جديدة، وإغلاق الأفنية الداخلية، وتوسيع بعض المباني بصورة تغير شكلها الأصلي.

يقول مهتمون بالتراث لـ"الساحل الغربي"، إن هذه التحولات تبدو صغيرة عند النظر إلى كل مبنى على حدة، لكنها مع مرور الوقت تحدث تغييرًا واسعًا في المشهد العمراني، وتؤدي إلى فقدان المدينة تدريجيًا لانسجامها البصري.

ويشيرون إلى أن غياب الاشتراطات الخاصة بالبناء داخل المناطق التاريخية سمح بظهور أنماط معمارية حديثة لا تتوافق مع البيئة التاريخية المحيطة، الأمر الذي ينعكس على القيمة التراثية للمدينة.


عوامل متشابكة

لا يمكن فصل ما يحدث في المدينة القديمة عن الظروف الاستثنائية التي تعيشها تعز منذ اندلاع الحرب والحصار الخانق الذي تفرضه مليشيا الحوثي الإرهابية، وما نتج عنه من ضغوط عمرانية متزايدة بفعل موجات النزوح الداخلي، وتراجع فرص السكن في مناطق أخرى، وارتفاع الطلب على الأراضي والمساكن داخل المدينة، الأمر الذي دفع إلى زيادة التوسع العمراني والضغط على النسيج التاريخي للمدينة القديمة.

إلى جانب ذلك، أسهمت التحولات الديموغرافية في زيادة الضغط على المدينة القديمة، مع تزايد النمو السكاني الطبيعي واستمرار الهجرة الداخلية من المناطق الريفية إلى مركز المدينة بحثًا عن فرص العمل والخدمات الأساسية.

ومع محدودية المساحات المتاحة للبناء وارتفاع الطلب على الوحدات السكنية، اتجه كثير من السكان إلى التوسع داخل الأحياء التاريخية، سواء عبر إضافة طوابق جديدة أو إعادة تأهيل منازل قديمة بمواد بناء حديثة، ما أدى إلى تغييرات متسارعة في النسيج العمراني للمدينة.

وتتضاعف الضغوط على المدينة القديمة باعتبارها القلب التجاري والحيوي لتعز، حيث تتركز الأسواق التقليدية والأنشطة الاقتصادية والخدمات، الأمر الذي يجعل السكن داخلها أو بالقرب منها خيارًا مفضلًا للكثير من الأسر لتقليل تكاليف التنقل.

وفي ظل غياب مخططات حضرية حديثة تستوعب التوسع السكاني، وتوفر بدائل سكنية مناسبة خارج المركز التاريخي، بقيت المدينة القديمة تواجه تدفقًا عمرانيًا متزايدًا، في وقت يدفع فيه تقسيم المنازل القديمة بين الورثة بعض الملاك إلى إضافة أدوار جديدة أو استبدال المباني التقليدية بأخرى خرسانية، بما يهدد خصوصيتها المعمارية.


غياب الحماية

يرى مهتمون بالتراث أن أحد أبرز أسباب تفاقم مشكلة التوسع العمراني داخل المدينة القديمة يتمثل في ضعف منظومة الحماية القانونية، وعدم تطبيق الاشتراطات الخاصة بالبناء في المناطق التاريخية، الأمر الذي سمح بظهور أنماط عمرانية دخيلة غيّرت تدريجيًا ملامح النسيج المعماري للمدينة.

ويتخذ التعدي العمراني في تعز القديمة صورًا متعددة، حولت المشهد العام من حالة التناغم والانسجام التي ميزت المدينة لقرون إلى مشهد أكثر عشوائية وتنافرًا؛ إذ أدى إدخال الخرسانة المسلحة والإسمنت والكتل الخرسانية بدلًا من الحجر والآجر التقليدي إلى ظهور مبانٍ حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمكان، كما ساهمت الارتفاعات غير المنضبطة لبعض المباني في حجب الضوء والتهوية عن المنازل القديمة.

كما امتدت مظاهر التغيير إلى الواجهات المعمارية، حيث جرى في بعض الحالات تغطية الواجهات الحجرية القديمة بالطلاء الحديث، أو استبدال العناصر التقليدية مثل الشرفات الخشبية والنوافذ القديمة بمواد حديثة كالألمنيوم والزجاج، وفي كثير من الحالات، تُنفذ أعمال البناء أو الترميم دون إشراف هندسي متخصص أو مراجعة من الجهات المختصة، ما يسمح بإجراء تعديلات قد تكون غير قابلة للتراجع لاحقًا، وتؤدي إلى فقدان أجزاء من الهوية المعمارية للمدينة.

وتواجه الجهات المعنية بالحفاظ على المدن التاريخية تحديات كبيرة، تشمل محدودية الإمكانات، وضعف التمويل، ونقص الكوادر المتخصصة، إلى جانب تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية، والظروف الأمنية والإدارية التي فرضتها سنوات الحرب.

ويؤكد مختصون أن حماية المدن التاريخية لا تعتمد فقط على وجود قوانين وتشريعات، وإنما على وجود مؤسسات قادرة على تنفيذها، وآليات رقابة فعالة تمنع أي تدخل عمراني يهدد القيمة التراثية للمكان، مشيرين إلى أن استمرار حالة الضعف المؤسسي أسهم في توسع البناء العشوائي، وسمح بفرض تغييرات عمرانية يصعب معالجتها مستقبلًا.


خسارة تتجاوز المباني

خسارة تعز القديمة طابعها الأثري ليست مجرد قضية جمالية أو معمارية، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى جوهر الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للمدينة؛ فالمباني التاريخية ينظر إليها خبراء التراث باعتبارها شواهد حية على تاريخ الإنسان وإبداعه، ومرآة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي مرت بها المدينة عبر مئات السنين.

ولا تقتصر تداعيات هذا التغيير على الجانب الثقافي، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والسياحية، إذ تعد المدن التاريخية في مختلف دول العالم ركيزة أساسية لاقتصاديات السياحة المستدامة، وكانت تعز القديمة، بما تمتلكه من معالم تاريخية ونسيج معماري فريد، مؤهلة لأن تكون وجهة سياحية وثقافية بارزة، غير أن استمرار التشوهات العمرانية يهدد فرص الاستفادة من هذا الإرث مستقبلًا، ويقلل من إمكانات الاستثمار في قطاع السياحة الثقافية، وما يمكن أن يوفره من فرص عمل ومصادر دخل للمجتمع المحلي.

وينعكس التوسع العمراني غير المنظم على الجانب الإنشائي والبيئي للمدينة، فالنظام العمراني لتعز القديمة صُمم على أساس ترابط دقيق بين الأزقة الضيقة والمباني التقليدية وشبكات الخدمات القديمة، ومع زيادة الكثافة السكانية وظهور المباني متعددة الطوابق، تتزايد الضغوط على البنية التحتية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأثر أساسات المباني التاريخية المجاورة، ما يهدد سلامتها على المدى الطويل.


خارطة طريق للإنقاذ

يتطلب إنقاذ تعز القديمة والحفاظ على ما تبقى من هويتها الأثرية، الانتقال من مرحلة التوصيف والتحذير إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم، عبر تبني رؤية شاملة تجمع بين حماية التراث وتلبية احتياجات السكان، من خلال حزمة من الإجراءات العاجلة والحلول المستدامة التي تضمن بقاء المدينة حية دون فقدان خصوصيتها التاريخية.

وتبدأ خطوات الإنقاذ بإعلان تعز القديمة منطقة محمية تاريخيًا، ووضع ضوابط صارمة تنظم عمليات البناء والترميم داخل نطاقها، بما يمنع إدخال مواد البناء الحديثة، كالخرسانة الجاهزة والبلوك، إلا في أعمال الترميم المعتمدة ووفق معايير فنية تحافظ على الطابع المعماري للمدينة، كما يتطلب ذلك تفعيل قانون حماية المدن التاريخية، وتعزيز دور الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وفرض إجراءات رادعة بحق المخالفين، بما يضمن وقف التعديات التي تهدد النسيج العمراني التاريخي.

ويرى مراقبون أنه لا يمكن تحقيق الحماية الفعلية للمدينة القديمة دون معالجة أحد أبرز أسباب الضغط عليها، والمتمثل في الحاجة المتزايدة إلى السكن، فالحفاظ على التراث لا يعني تجميد المدينة أو منع سكانها من تحسين ظروفهم المعيشية، وإنما يتطلب تحقيق توازن بين التنمية والحفاظ على الهوية، مؤكدين أن المدن التاريخية حول العالم نجحت في الجمع بين الأمرين، من خلال وضع اشتراطات دقيقة تحدد مواد البناء والارتفاعات وأشكال الواجهات، بما يسمح باستمرار الحياة داخل المناطق التاريخية دون الإضرار بقيمتها المعمارية.

وفي تعز، يمثل دعم أعمال الترميم أحد المسارات الأساسية للحفاظ على هوية المدينة، من خلال إنشاء صندوق خاص لتمويل صيانة المنازل القديمة، وتوفير الدعم الفني للسكان، وتدريب مقاولين وبنائين محليين على تقنيات البناء التقليدية، بما يضمن الحفاظ على العناصر المعمارية الأصيلة بدلًا من استبدالها بمواد حديثة تفقد المباني طابعها التاريخي.


مسؤولية مشتركة

لا تقع مسؤولية حماية المدينة القديمة على جهة واحدة، بل تمثل مسؤولية مشتركة تتوزع بين السلطات المحلية، والجهات المختصة بالآثار، والهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، إلى جانب المهندسين والملاك والمجتمع المحلي، باعتبار أن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب تكامل الأدوار بين مختلف الأطراف.

ويرى مهتمون بالتراث أن نجاح أي خطة لحماية تعز القديمة يبدأ بتطبيق القوانين وتفعيل الرقابة، مرورًا بتوفير الدعم المالي والفني لأعمال الترميم، وانتهاءً بتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة باعتباره جزءًا من هويتها وذاكرة سكانها.

ويشدد المختصون على ضرورة إعداد قاعدة بيانات شاملة للمباني التاريخية، وتوثيق حالتها الإنشائية والمعمارية، ووضع خرائط دقيقة تحدد مناطق الحماية ومجالات التطوير الممكنة وفق ضوابط تحافظ على خصوصية المكان.

ويمثل الوعي المجتمعي خط الدفاع الأخير أمام تآكل الهوية العمرانية للمدينة، إذ لا يمكن لأي إجراءات رسمية أن تنجح دون إدراك السكان لقيمة المكان الذي يعيشون فيه، الأمر الذي يستدعي إطلاق حملات توعية تستهدف مختلف الفئات، خصوصًا الشباب وطلاب المدارس، لتعريفهم بالقيمة التاريخية والمعمارية لتعز القديمة، وتعزيز شعورهم بالمسؤولية تجاه الحفاظ عليها.

ذات صلة