اليمن بين السجون والجوع وتجنيد الأطفال: كيف تدير المليشيا الحوثية الكارثة الإنسانية في اليمن؟

منذ 3 ساعات

لم تعد الأزمة الإنسانية في اليمن مجرد نتيجة جانبية للحرب المستمرة منذ سنوات، بل تحولت في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي إلى منظومة متكاملة لإدارة المجتمع عبر القمع الأمني، والتجويع الاقتصادي، والاختطافات المنظمة، وإعادة تشكيل الأجيال الجديدة ضمن مشروع أيديولوجي طويل المدى، وسط صمت دولي متزايد بات يمنح هذه الممارسات مساحة أوسع للاستمرار.
خلال السنوات الأخيرة لم تعد السجون الحوثية مجرد أماكن احتجاز تقليدية، بل تحولت إلى أدوات ردع سياسي واجتماعي تستخدم لإخضاع المجتمع وكسر أي معارضة محتملة. في محافظة إب، أعادت التقارير الأخيرة بشأن وفاة عدد من المحتجزين داخل السجن المركزي نتيجة الإهمال الطبي وسوء التغذية تسليط الضوء على ملف ظل بعيداً عن الاهتمام الدولي لسنوات. هذه الوفيات لا يمكن قراءتها باعتبارها حوادث فردية، بل ضمن نمط متكرر من الانتهاكات يشمل الحرمان من العلاج، وسوء التغذية، والتعذيب النفسي والجسدي، وابتزاز أسر المختطفين مالياً مقابل الزيارات أو إدخال الأدوية.
وتشير تقارير حقوقية يمنية ودولية إلى أن شبكات الاختطاف الحوثية توسعت بشكل كبير منذ انقلاب الحوثيين على الدولة عام 2014، حيث طالت صحفيين، وأكاديميين، وموظفين في منظمات دولية، وقيادات حزبية، وشخصيات اجتماعية، وحتى مواطنين عاديين يتم اختطافهم عند نقاط التفتيش أو من منازلهم. بعض هؤلاء يختفون قسرياً لأشهر أو سنوات، بينما يتم استخدام آخرين كورقة تفاوض سياسي أو مصدر للابتزاز المالي. هذه الممارسات تكررت في تجارب مشابهة شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب، وكذلك في بعض مناطق العراق وليبيا، حيث تحولت الجماعات المسلحة إلى سلطات موازية تستخدم السجون السرية والاخفاء القسري كأدوات للسيطرة.
إلى جانب القمع الأمني، برزت سياسة التجويع باعتبارها أحد أخطر أدوات الحرب غير المباشرة. فالميليشيات الحوثية لم تكتف بالسيطرة العسكرية على مؤسسات الدولة، بل أعادت هندسة الاقتصاد في مناطق سيطرتها بصورة عمقت الفقر والانهيار المعيشي. فقد فرضت جبايات واسعة على التجار، ورفعت الرسوم الجمركية غير القانونية، وصادرت ممتلكات خصومها، وسيطرت على شبكات توزيع المساعدات الإنسانية في بعض المناطق، بينما تم توجيه جزء من الموارد العامة لتمويل المجهود الحربي.
كما أدى استهداف القطاع الخاص، وفرض القيود على حركة التجارة، وخلق أسواق سوداء للمشتقات النفطية والمواد الغذائية، إلى ارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة، بينما توقفت رواتب مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة المليشيا منذ سنوات. هذا الواقع خلق بيئة اجتماعية هشة أصبح فيها ملايين اليمنيين معتمدين بالكامل على المساعدات الإنسانية.
وفي مأرب، يظهر أحد أكثر وجوه هذه الأزمة قسوة، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين في مخيمات تعتمد على المساعدات الدولية. ومع تقليص التمويل من قبل برنامج الأغذية العالمي وعدد من المنظمات الإنسانية، أصبحت المجاعة تهديداً يومياً لآلاف الأسر، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن. وتتحول معاناة النازحين هنا إلى نتيجة مباشرة لتداخل الحرب مع التراجع الدولي في تمويل الاستجابة الإنسانية.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، لا يزال اليمن من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين الأشخاص الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يعاني ملايين الأطفال من سوء التغذية الحاد، وهو ما يهدد جيلاً كاملاً بأضرار صحية وتعليمية طويلة المدى.
وفي الوقت الذي يتسع فيه نطاق الفقر والجوع، تستمر عمليات استقطاب الأطفال إلى المعسكرات والدورات الصيفية الحوثية، وهي قضية وثقتها تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة وتقارير خبراء دوليين. هذه العمليات لا ترتبط فقط بالحاجة العسكرية لتعويض الخسائر البشرية، بل ترتبط أيضاً بإعادة إنتاج المشروع الأيديولوجي للمليشيا عبر تعبئة الأطفال فكرياً وعسكرياً منذ سن مبكرة.
وقد شهد العالم نماذج مشابهة في أوغندا مع جيش الرب للمقاومة، وفي ليبيريا وسيراليون، لكن خطورة الحالة اليمنية تكمن في أنها تجري داخل دولة ذات موقع استراتيجي حساس يطل على البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل استمرار انهيار المجتمع اليمني قضية إقليمية ودولية تتجاوز حدود اليمن نفسه.
المشكلة الأساسية أن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع اليمن بمنطق إدارة الأزمة لا إنهائها. تصدر الأمم المتحدة بيانات القلق، بينما تستمر البنية القمعية والاقتصادية للحوثيين في التوسع على الأرض.
إن السجون، والاختطافات، والتجويع، وتجنيد الأطفال ليست ملفات منفصلة، بل تمثل منظومة متكاملة لإدارة الحرب عبر السيطرة على الإنسان اليمني، المواطن المعارض يُختطف، ويُترك للموت البطيء، والأسرة تُدفع نحو الجوع، والطفل يُعاد تشكيله ليصبح وقوداً لصراع طويل.
وما لم يتحول الملف الإنساني في اليمن إلى أولوية دولية حقيقية، مع آليات رقابة ومحاسبة أكثر صرامة، فإن اليمن لن يواجه فقط أزمة إنسانية ممتدة، بل انهياراً اجتماعياً عميقاً ستكون آثاره ممتدة لعقود، وسيصعب على أي دولة يمنية مستقبلية تجاوزها بسهولة.