"نورديك مونيتور" تكشف بالوثائق كيف تحولت أنقرة إلى "رئة مالية" لصفقات السلاح الإيراني

  • عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

كشفت لائحة اتهام اتحادية أمريكية حديثة عن تفاصيل شبكة معقدة يُزعم أنها استخدمت الأراضي التركية والقنوات المالية وشركات الصرافة فيها لتسهيل صفقات أسلحة إيرانية سرية لصالح الجيش السوداني، في تطور يسلط الضوء على الدور المتزايد لتركيا كمركز عبور وتمويل في عمليات الالتفاف على العقوبات الدولية.

وبحسب تقرير استقصائي نشرته مجلة نورديك مونيتور، استناداً إلى وثائق قضائية أمريكية، فإن التحقيق يكشف عن تشابك بين وسطاء إيرانيين وشركات دفاع تركية وقنوات مالية غير رسمية استُخدمت لتحويل ملايين الدولارات وتمرير أسلحة ومكونات عسكرية متطورة إلى السودان خلال الحرب الأهلية المستمرة هناك.

لائحة اتهام من 33 صفحة

في الأول من مايو/أيار 2026، قدم الادعاء الفيدرالي الأمريكي أمام المحكمة الجزئية للمنطقة الوسطى في ولاية كاليفورنيا لائحة اتهام من 33 صفحة ضد المواطنة الإيرانية "شميم مافي"، المعروفة أيضاً باسم "راحلة مافي"، بتهم التآمر لانتهاك العقوبات الأمريكية والتوسط في صفقات أسلحة لصالح جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية وكيانات عسكرية سودانية.

وتقول السلطات الأمريكية إن مافي أدارت شبكة دولية معقدة اعتمدت على تركيا بوصفها مركزاً مالياً ولوجستياً رئيسياً لتحويل الأموال وترتيب المدفوعات وإخفاء المعاملات المرتبطة بالصادرات العسكرية الإيرانية.

تركيا كقاعدة عمليات منذ عام 2013

ووفقاً لوثائق المحكمة التي استعرضتها مجلة نورديك مونيتور، انتقلت مافي إلى تركيا نحو عام 2013، حيث أسست شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستخباراتية، وسجلت شركات محلية وأقامت صلات مباشرة مع شركات تعمل في قطاع الصناعات الدفاعية التركية.

ولم تكن تركيا بالنسبة لها مجرد محطة عبور، بقدر ما شكلت قاعدة عمليات طويلة الأمد استخدمتها في تنسيق صفقات الأسلحة وإدارة التحويلات المالية بعيداً عن النظام المصرفي التقليدي.

لاحقاً انتقلت مافي إلى الولايات المتحدة وحصلت على إقامة دائمة قانونية في كاليفورنيا، مع استمرار تنقلها بين الولايات المتحدة وتركيا وإيران وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، حيث كانت تدير شركة "أطلس إنترناشونال بيزنس" المسجلة في عُمان، والتي تقول السلطات إنها استُخدمت كواجهة لتسويق وبيع الأسلحة الإيرانية.

ارتباطات وثيقة بالأجهزة الأمنية الإيرانية

تشير لائحة الاتهام إلى أن زوج مافي الأول كان موظفاً في وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأنها احتفظت بعلاقات وثيقة مع شخصيات نافذة داخل الجهاز الاستخباراتي الإيراني.

كما كشفت التحقيقات أنها بقيت على اتصال مباشر مع أحد عناصر الاستخبارات الإيرانية بين ديسمبر/كانون الأول 2022 ويناير/كانون الثاني 2026 عبر تطبيق واتساب ولقاءات شخصية متعددة.

وفي يونيو/حزيران 2024، عُينت مافي في منصب قيادي ضمن الحملة الرئاسية لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وهو ما اعتبره مكتب التحقيقات الفيدرالي مؤشراً على مستوى الثقة السياسية التي تحظى بها داخل دوائر الحكم في طهران.

بداية صفقات التسليح إلى السودان

ابتداءً من فبراير/شباط 2024، تقول النيابة الأمريكية إن مافي وشركاءها شرعوا في ترتيب عقود لتوريد طائرات مسيرة هجومية من طراز Mohajer-6، وقنابل جوية وصواعق تفجير وذخائر كلاشينكوف ومعدات عسكرية أخرى لصالح الجيش السوداني.

وتضمنت إحدى أكبر الصفقات توريد 240 مليون طلقة من ذخيرة بنادق AK-47 بقيمة تجاوزت 100 مليون دولار.

أكتوبر 2024: تحويل الأموال عبر الصرافة التركية

في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024، نصحت مافي وسيطاً سودانياً بتجنب التحويلات البنكية الرسمية والاعتماد بدلاً من ذلك على مكاتب الصرافة في تركيا، مع تقسيم المدفوعات إلى مبالغ صغيرة لتفادي إثارة الشبهات.

وترى السلطات الأمريكية أن هذه التعليمات تكشف معرفة دقيقة بآليات الالتفاف على الرقابة المالية والتنظيمية.

يناير 2025: ملايين الدولارات لصفقة الطائرات المسيرة

في 13 يناير/كانون الثاني 2025، زودت مافي ممثلين سودانيين ببيانات شركة صرافة تركية لاستلام نحو 2.7 مليون دولار مرتبطة بعقد لتوريد طائرات مهاجر-6 المسلحة.

وبعد يومين فقط، أصدرت إيصالاً يؤكد استلام ما يقرب من مليون دولار عبر شركة صرافة تركية ضمن الصفقة ذاتها.

شركة دفاع تركية في قلب التحقيق

من أكثر ما أثار اهتمام المحققين الأمريكيين العثور بحوزة مافي على كتالوج من 352 صفحة لإحدى أكبر شركات الصناعات الدفاعية التركية، تضمن معلومات عن قنابل جوية من طراز "OJAN-500" الإيرانية.

ويقول المحققون إن هذه المواد استُخدمت في مفاوضات مع الجانب السوداني، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين بعض الوسطاء في قطاع الدفاع التركي وشبكات التصدير العسكري الإيرانية.

اعترافات أمام مكتب التحقيقات الفيدرالي

خلال مقابلة أجراها معها مكتب التحقيقات الفيدرالي في 18 أبريل/نيسان 2026 بمطار لوس أنجلوس الدولي، أقرت مافي بأنها كانت تدرك أن أنشطتها تنتهك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

كما أفادت بأنها تعاونت سابقاً مع رجل أعمال تركي يعمل في قطاع الدفاع، وساعدته كمترجمة خلال زياراته إلى إيران، حيث قامت بتعريفه على شركات إيرانية متخصصة في الصناعات العسكرية.

وقالت للمحققين إن (العديد من شركات الدفاع التركية حصلت على تقنياتها من إيران من خلال شراء المعدات العسكرية الإيرانية وإجراء هندسة عكسية لها لإنتاجها على نطاق واسع)، وهي إفادة قد تكون لها تداعيات كبيرة إذا ثبتت صحتها.

خلفية أوسع: تركيا والعقوبات الدولية

يأتي هذا الكشف في ظل سجل طويل من الاتهامات الغربية لتركيا بالتساهل مع شبكات التهرب من العقوبات، خاصة بعد قضية Halkbank التي اتهم فيها الادعاء الأمريكي البنك بالمساعدة في تحويل مليارات الدولارات الإيرانية عبر معاملات احتيالية.

كما سبق أن أدرجت Financial Action Task Force (FATF) تركيا على قائمتها الرمادية عام 2021 بسبب أوجه قصور خطيرة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، قبل أن ترفعها من القائمة عام 2024 بعد تنفيذ إصلاحات وتعهدات إضافية.

تداعيات سياسية وقانونية

ترى مجلة نورديك مونيتور أن القضية قد تؤدي إلى توجيه اتهامات جديدة بحق أفراد أو كيانات داخل تركيا، وربما تكشف لاحقاً عن أسماء شركات ومسؤولين أتراك يُشتبه في مشاركتهم في تسهيل تمويل ونقل الأسلحة الإيرانية.

كما يُتوقع أن تزيد القضية من الضغوط الأمريكية والأوروبية على أنقرة، وأن تعيد تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه تركيا في شبكات التهرب من العقوبات والتمويل غير المشروع المرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الإيراني.

أسلحة إلى ساحة حرب وإنسانية كارثية

تكتسب القضية أهمية إضافية لأن الأسلحة موضوع التحقيق كانت موجهة إلى السودان، الذي يشهد حرباً أهلية مدمرة خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وبينما تتقدم الإجراءات القضائية في الولايات المتحدة، قد تتحول هذه القضية إلى اختبار دولي جديد لمدى قدرة الغرب على إغلاق الثغرات المالية والتجارية التي تسمح باستمرار تدفق السلاح الإيراني إلى مناطق الصراعات، وفي مقدمتها اليمن والسودان.

ذات صلة