عيد الأضحى في صنعاء.. موسم حوثي جديد للجبابات وابتزاز التجار والمواطنين

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

بالتزامن مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تشهد العاصمة المختطفة صنعاء موجة جديدة من الجبايات المالية التي تفرضها مليشيا الحوثي الإرهابية على القطاعين التجاري والمجتمعي، في إطار حملات تحصيل قسرية تتكرر بصورة موسمية وتتصاعد حدتها مع المناسبات الدينية.

وتستهدف هذه الحملات التجار وأصحاب الشركات والمحال التجارية والمصانع، إلى جانب المواطنين في الأحياء السكنية، تحت مسميات متعددة أبرزها القافلة العيدية، ودعم عناصر المليشيا في الجبهات، في وقت تعيش فيه المناطق المنكوبة واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمعيشية منذ سنوات.

وتأتي هذه التحركات الحوثية في ظل حالة اقتصادية شديدة الهشاشة، تتمثل في انهيار القدرة الشرائية، واستمرار انقطاع مرتبات الموظفين، وتراجع الحركة التجارية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، الأمر الذي ضاعف من حجم الضغوط الواقعة على السكان والقطاع الخاص على حد سواء.

ويؤكد تجار ورجال أعمال أن جبايات مليشيا الحوثي لم تعد مجرد استثناءات مرتبطة بمناسبات معينة، بل تحولت إلى سياسة مالية غير معلنة تعتمد عليها المليشيا بصورة مستمرة لتمويل أنشطتها المختلفة.

ونفذت عناصر المليشيا خلال الأيام الماضية نزولات ميدانية واسعة إلى الأسواق والشركات ومنافذ البيع في صنعاء، وألزمت أصحابها بدفع مبالغ مالية متفاوتة، دون تقديم أي إيصالات رسمية أو توضيحات بشأن آلية الصرف والجهات المستفيدة من تلك الأموال.

كما استخدمت المليشيا شبكة عُقّال الحارات، للإشراف على حملات جمع التبرعات من السكان عبر مجموعات واتساب، مع تحديد وسائل تحويل الأموال من خلال حسابات مصرفية ومحافظ إلكترونية، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس توسعًا في أساليب التحصيل غير الرسمية وتكريسًا لاقتصاد الجباية داخل المناطق المحتلة.

وأثارت هذه الإجراءات موجة استياء واسعة في الأوساط التجارية والشعبية، خصوصًا مع تزايد الشكاوى من تعدد مسميات الجبايات وفرضها بصورة إلزامية حتى على الفئات الأشد فقرًا، بما في ذلك صغار الباعة والأسر محدودة الدخل.

ويشير سكان محليون إلى أن حملات التحصيل الحوثية أصبحت عبئًا دائمًا يلاحق المواطنين على مدار العام، إذ لا تكاد تنتهي مناسبة حتى تبدأ أخرى تحت عناوين مختلفة، بينما تتراجع الخدمات الأساسية وتتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

توسع الجبايات.. استهداف التجار

تقول مصادر تجارية في العاصمة المحتلة صنعاء لـ"الساحل الغربي": "الأيام الأخيرة شهدت تصعيدًا في عمليات التحصيل المالي التي تستهدف الشركات والمصانع والمحلات التجارية، حيث نفذت عناصر المليشيا نزولات ميدانية إلى عدد من المنشآت، وفرضت مبالغ مالية تتراوح بين 200 و300 ألف ريال يمني، دون تقديم أي سندات رسمية أو إيصالات قانونية تثبت طبيعة تلك التحصيلات".

ويضيف أحد رجال الأعمال في صنعاء، أن "ما يحدث لم يعد مجرد مساهمات أو تبرعات، بل أصبح إلزامًا مباشرًا يتم عبر زيارات ميدانية من عناصر ومشرفي المليشيا يحددون مبالغ مالية محددة دون أي تفاوض".

ويوضح أن "القطاع الخاص في صنعاء يعيش تحت ضغط متواصل، حيث لا يكاد يمر شهر دون طلب مالي جديد تحت مسمى مختلف، ما أدى إلى إنهاك العديد من الأنشطة التجارية الصغيرة والمتوسطة، ودفع بعضها إلى الإغلاق أو تقليص أعمالها".

ويؤكد عدد من التجار أن هذه الجبايات تأتي في وقت يعاني فيه السوق من ركود حاد نتيجة ضعف السيولة النقدية، وتراجع الطلب الاستهلاكي، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئًا مضاعفًا على القطاع الخاص.

ويشير عاملون في القطاع التجاري إلى أن حملات التحصيل الأخيرة اتسمت بدرجة أعلى من الانتشار، حيث جرى استهداف قطاعات متعددة بشكل متزامن، شملت شركات تجارية ومراكز بيع ومصانع وورشًا صغيرة، إضافة إلى ملاك الأنشطة الفردية.

وبحسب كثيرين، فإن بعض اللجان الميدانية التابعة للمليشيا كانت تحمل كشوفات بأسماء المنشآت التجارية والمبالغ المطلوب دفعها، ما يعكس وجود آلية مسبقة لجمع الأموال وتوزيع الأعباء المالية على التجار وفق تقديرات غير معلنة.

أداة تعبئة مالية

أطلقت مليشيا الحوثي الإرهابية حملة جديدة تحت مسمى "القافلة العيدية"، تهدف إلى دعم عناصرها في الجبهات، إلا أن آليات تنفيذها أثارت جدلًا واسعًا في أوساط السكان والتجار على حد سواء، فقد تم تعميم رسائل عبر عقال الحارات في عدد من الأحياء السكنية، تدعو السكان إلى المساهمة في تمويل القافلة، مع تحديد وسائل الدفع عبر حسابات مصرفية ومحافظ إلكترونية مثل بنك الكريمي ومحفظة جيب.

يقول سكان محليون في صنعاء لـ"الساحل الغربي"، إن أسلوب الحملة يعتمد على الضغط الاجتماعي أكثر من كونه دعوة طوعية، حيث يتم إيصال الرسائل بشكل جماعي عبر عقال الحارات، ما يجعل الرفض أمرًا صعبًا، خاصة في ظل الخوف من التبعات الاجتماعية أو الأمنية. ويضيفون أن "حتى الأسر الفقيرة لا تُستثنى من هذه الحملات، ويتم التعامل معها ضمن إطار عام من التعبئة، دون مراعاة للظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها معظم العائلات".

ويؤكدون أن المليشيا باتت تعتمد بشكل متزايد على البنية الاجتماعية داخل الأحياء السكنية لتنفيذ حملات التحصيل، من خلال توظيف دور عقال الحارات، والوجاهات المحلية في إيصال الرسائل ومتابعة التفاعل معها، مشيرين إلى أن هذا الأسلوب يمنح الحملات طابعًا مجتمعيًا ظاهريًا، بينما تُمارس فعليًا ضمن أجواء من الضغوط غير المباشرة التي تجعل الامتناع عن الدفع أمرًا محفوفًا بالحساسيات والمخاوف.

وتحدث أحد المواطنين لـ"الساحل الغربي" بالقول، إن "رسائل جمع التبرعات لا تُقدَّم باعتبارها خيارًا شخصيًا، بل تُصاغ بطريقة توحي بوجود التزام جماعي، خاصة عندما يتم تداول أسماء المساهمين أو الإشارة إلى حجم التفاعل داخل الحي"، مضيفًا أن "الكثير من الناس يدفعون مبالغ رمزية فقط لتجنب الإحراج أو لعدم الظهور بموقف المعارض".

ولفت إلى أن الحملة الحالية شهدت توسعًا في استخدام الوسائل الإلكترونية لجمع الأموال، بما في ذلك المحافظ الرقمية والتحويلات المصرفية، في خطوة تعكس تطور أساليب التحصيل مقارنة بالسنوات السابقة التي كانت تعتمد بصورة أكبر على الجمع النقدي المباشر، ويرى مراقبون أن هذا التحول يمنح المليشيا قدرة أكبر على الوصول السريع إلى شرائح واسعة من السكان، خصوصًا في المدن المكتظة.

وضع صعب

بحسب إفادات سكان، فإن حملات القافلة العيدية تتزامن هذا العام مع أوضاع معيشية أكثر صعوبة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع فرص العمل وانخفاض دخل الأسر، الأمر الذي جعل الكثير من المواطنين ينظرون إلى هذه التحصيلات باعتبارها عبئًا إضافيًا يتجاوز قدرة الناس على التحمل.

يقول ماجد أحمد، أحد الموظفين في صنعاء، لـ"الساحل الغربي"، إن المواطن أصبح محاصرًا بين الغلاء وانقطاع المرتب والالتزامات الاجتماعية والجبايات المتكررة، حتى المناسبات الدينية تحولت إلى مواسم لتحصيل الأموال.

ويتابع: "المشكلة لم تعد فقط في قيمة المبالغ المفروضة، بل في تكرارها المستمر وتعدد الجهات التي تطلب الأموال"، مضيفًا أن "بعض التجار يدفعون مبالغ في أكثر من مناسبة خلال الشهر الواحد، تحت عناوين مختلفة، تبدأ بدعم الجبهات ولا تنتهي عند الفعاليات والمناسبات الدينية".

ويلفت إلى أن الخشية من التعرض للمضايقات أو الإغلاق تدفع كثيرًا من أصحاب المحلات والمنشآت إلى دفع المبالغ المطلوبة دون اعتراض، خصوصًا في ظل غياب أي جهة رقابية مستقلة يمكن اللجوء إليها، مشيرين إلى أن الامتناع عن الدفع قد يترتب عليه استدعاءات أو عراقيل تتعلق بالضرائب والتفتيش، ما يجعل غالبية التجار يتعاملون مع تلك المطالب باعتبارها أمرًا واقعًا.

ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن تكرار هذه الحملات يسهم في خلق حالة من الاحتقان داخل المجتمع، خصوصًا مع اتساع دائرة الفئات المستهدفة وعدم وجود معايير واضحة تراعي أوضاع الأسر الأشد فقرًا، محذرين من أن تحويل المناسبات الدينية والاجتماعية إلى أدوات للتحصيل المالي القسري يفاقم من معاناة المواطنين.

تعميق الأزمات

يوضح ناشطون أن تصاعد الجبايات الحوثية يعكس اعتماد المليشيا بشكل متزايد على الموارد المحلية غير القانونية لتعويض تراجع مصادر التمويل الأخرى، الأمر الذي أدى إلى إنهاك القطاع الخاص ودفع كثير من الأنشطة التجارية نحو الانكماش أو الإغلاق، محذرين من أن استمرارها يهدد ما تبقى من الحركة الاقتصادية في صنعاء، ويعمّق حالة الفقر والركود، في ظل غياب أي مؤشرات على تحسن اقتصادي قريب أو معالجة حقيقية للأزمة المعيشية المتفاقمة.

ويرى اقتصاديون أن استمرار هذه السياسات يفاقم من هشاشة البيئة التجارية في المناطق المنكوبة بالمليشيا، خصوصًا مع تراجع حجم الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال إلى مناطق الحكومة الشرعية، كما أن الضغوط المالية المتزايدة تدفع بعض التجار إلى رفع أسعار السلع لتعويض الخسائر، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على المواطنين ويؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية على الأسر الفقيرة.

ويؤكد هؤلاء أن القطاع الخاص في صنعاء بات يتحمل أعباءً مركبة، تبدأ من الضرائب والرسوم غير الرسمية، مرورًا بالجبايات الموسمية، وصولًا إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والمواد الخام، الأمر الذي تسبب في تقلص هامش الربح لدى كثير من الأنشطة التجارية، خاصة الصغيرة منها، والتي أصبحت مهددة بالخروج من السوق بشكل نهائي.

ذات صلة